للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث / الرقم المسلسل:

برقم (٦٨٧)، يدل على أن عادة النبي أنه كانت تحمل له العنزة في السفر والفضاء، لكي يستتر بها في الصلاة، وهو نفس المعنى الذي لأجله كان أنس يحمل العنزة، فقد قال أنس: كان رسول الله يدخل الخلاء، فأحمل أنا وغُلامٌ نَحْوِي إِداوةً من ماء وعَنَزة، فيستنجي بالماء [متفق عليه، وتقدم برقم (٤٣)]، وهذا هو ما فعله بلال في الأبطح بمكة في حجة الوداع، حيث ركزها بين يديه ، ليصلي إليها، كما في حديث أبي جحيفة، ومما يدل على اتخاذه للسترة في السفر أيضًا كما في الحضر: حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: هبطنا مع رسول الله من ثنيَّة أذاخِرَ، فحضرت الصلاة، فصلَّى -يعني: إلى جِدار- فاتخذه قبلةً ونحن خلفه، فجاءت بَهْمة تمرُّ بين يديه، فما زال يُدارِئُها حتى لصِق بطنُه بالجدار، ومرَّت من ورائه [وهو حديث حسن، تقدم برقم (٧٠٨)]، فلما كانت هذه عادته في حضره وسفره، فمن الممكن أن يكون ابن عباس أغفل ذكرها في هذا الحديث لكونها معلومة، لا تخفى على أحد، والله أعلم.

فإن كان ابن عباس يريد بقوله: "إلى غير جدار" نفي مطلق السترة لعبر بأقل ما يطلق عليه اسم السترة، مثل: العنزة والحربة ومؤخرة الرحل ونحو ذلك، ولما احتاج إلى التعبير عنها بأكبر ما يطلق عليه اسم السترة كالجبل والجدار ونحوه، ولما عبر بالأخص عن الأعم، وعلى هذا: فالذي يظهر لي من قول ابن عباس: "إلى غير جدار" أنه أراد به التنبيه على أن النبي صلى في فضاء إلى غير جدار؛ لا أنه أراد نفي مطلق الاستتار؛ فإن صلاته إلى غير جدار لا يلزم منه عدم وجود سترة، كالعنزة ونحوها مما كان يستتر به في صلاته في السفر والفضاء، كما قال ابن دقيق العيد في الإحكام (١/ ٢٨٤): "ولا يلزم من عدم الجدار عدم السترة"، وكما قال ابن الملقن في الإعلام (٣/ ٣٢١): "لأنه لا يلزم من عدم الأخص عدم الأعم"، ويؤيد هذا المعنى الذي ذهبت إليه ما جاء في حديث أبي الصهباء عن ابن عباس (٧١٦ و ٧١٧)، حيث قال في رواية جرير وزائدة عن منصور: يصلي بالناس في أرض خلاء، وهو حديث ضعيف؛ وهو صالح للاستشهاد به في هذا الموضع، وإن كان قد أخطأ راويه في مواضع من سياقه، لا سيما من رواية شعبة [كما سيأتي بيانه في موضعه].

وهذا الذي قررته هو ما ذهب إليه جماعة من المحدثين لما ترجموا لهذا الحديث: أ- فهذا الإمام البخاري عقد في صحيحه بابًا في كتاب الصلاة، فقال: "باب سترة الإمام سترة من خلفه" [برقم (٩٠)]، ثم أسند تحته ثلاثة أحاديث، الأول (٤٩٣): حديث ابن عباس هذا، بزيادة: "إلى غير جدار"، ثم حديث ابن عمر في الاستتار بالحربة (٤٩٤) [المتقدم ذكره آنفًا]، ثم حديث أبي جحيفة في الاستتار بالعنزة (٤٩٥) [المتقدم ذكره آنفًا]، وذِكر هذه الأحاديث الثلاثة في نسق واحد تحت هذه الترجمة مما يدل على أن حديث ابن عباس لا يخالف حديثي ابن عمر وأبي جحيفة، بل يدل على أن النبي كان مستترًا على عادته بالعنزة، إلا أن ابن عباس لم يصرح بها، والله أعلم.

<<  <  ج: ص:  >  >>