وبناءً على مما تقدم: فرواية ابن إسحاق في التصريح بالرفع: وهمٌ، ورواية هارون بن عنترة يحمل الرفع فيها على الصلاة لوقتها، أو على أنه اختصر الحديث، فأسقط الكلام عن التطبيق، وهو المخصوص بالرفع، كما في رواية إبراهيم النخعي، والله أعلم.
لذا قال ابن عبد البر عن حديث هارون بن عنترة: "وهذا الحديث لا يصح رفعه، والصحيح عندهم فيه التوقيف على ابن مسعود: أنه كذلك صلى بعلقمة والأسود، وحديث أنس [يعني: في وقوفه هو اليتيم خلف رسول الله ﷺ] أثبت عند أهل العلم بالنقل، والله أعلم".
• ومما يزيد هذا المعنى وضوحًا:
ما رواه معاذ بن معاذ، عن ابن عون، قال: كنت أنا وشعيب بن الحبحاب عند إبراهيم فحضرت العصر، فصلى بنا إبراهيم، فقمنا خلفه، فجرنا فجعلنا عن يمينه وعن شماله، قال: فلما صلينا وخرجنا إلى الدار، قال إبراهيم: قال ابن مسعود ﷺ: هكذا فصلوا، ولا تصلوا كما يصلي فلان.
قال: فذكرت ذلك لمحمد بن سيرين، ولم أسم له إبراهيم، فقال: هذا إبراهيم قد قال ذاك عن علقمة، ولا أرى ابن مسعود ﵁ فعله إلا لضيقٍ كان في المسجد، أو لعذرٍ رآه فيه، لا على أن ذلك من السنة.
قال: وذكرته للشعبي، فقال: قد زعم ذاك علقمة، ابن عون القائل.
أخرجه الطحاوي (١/ ٣٠٦ - ٣٠٧)، وإسناده صحيح.
وللحديث طرق أخرى في ذكر التطبيق، ليس فيها موضع الشاهد، تركت ذكرها.
قال الطحاوي: "ففي هذا الحديث إضافة الفعل إلى ابن مسعود ﵁، ولا يذكره الشعبي ولا ابن سيرين، عن علقمة، عن النبي ﷺ، وقد يجوز أيضًا أن يكون علقمة لم يذكر ذلك للشعبي ولابن سيرين أن ابن مسعود ﵁ ذكره عن النبي ﷺ، ثم ذكره الأسود لابنه عن النبي ﷺ، وكيف كان المعنى في هذا فقد عورض ذلك".
قلت: أراد الطحاوي حديث الأسود الذي يرويه ابن إسحاق، وقد سبق أن بينا بأنها رواية شاذة، فلا عبرة بها، والله أعلم.
• والحاصل: أنه قد صح عن ابن مسعود من قوله: إذا كنتم ثلاثة فصفوا جميعًا، وإذا كنتم أكثر من ذلك فقدموا أحدكم، وكذلك من فعله في صلاته بعلقمة والأسود: وهو معارض بما صح عن رسول الله ﷺ، من وجوه متعددة، رواه: أنس، وجابر، وبما صح عن الصحابة، مثل: عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن عمر.
قال الحازمي في الاعتبار (١/ ٤٠٧): "وقال بعضهم: حديث عبد الله بن مسعود منسوخ، لأن عبد الله بن مسعود إنما تعلم هذه الصلاة من النبي ﷺ وهو بمكة، وفيها التطبيق وأحكام آخر هي الآن متروكة، وهذا الحكم من جملتها، ولما قدم النبي ﷺ المدينة تركه".