وعلى هذا فالإسناد رجاله ثقات؛ لكني لم أقف في الأسانيد على سماع للحسن البصري من عائشة، ولم أقف على من جزم بثبوت هذا السماع، ففي مسائل صالح (٨٤٤)، عن أبيه أحمد، قال:«وحُكي عن الحسن؛ أنه سمع عائشة وهي تقول: إن نبيكم ﷺ بريء ممن فرق دينه» [انظر: المراسيل (١٥١). تحفة التحصيل (٧٤)]، وقد صح أن الحسن أدخل بينه وبين عائشة: سعد بن هشام في حديث الوتر [انظر: فضل الرحيم الودود (١٥/ ٣٢٧/ ١٣٥٢)]، وقال الحاكم في المستدرك (٤/ ٥٧٨)(١٠/ ٤٩٨/ ٨٩٣٧ - ط الميمان) عن حديث للحسن عن عائشة: «هذا حديث صحيح إسناده على شرط الشيخين؛ لولا إرسال فيه بين الحسن وعائشة، على أنه قد صحت الروايات أن الحسن كان يدخل وهو صبي منزل عائشة ﵂، وأم سلمة».
والحاصل: فليس عندنا دليل صحيح ثابت على سماع الحسن من عائشة، وقد ثبت أنه يروي عنها بواسطة، إلا أن دخوله عليها وهو صغير، مع ثقته في نفسه، وإمامته في الدين، مما يجعلنا نقبل من روايته ما وافق الثقات، ونرد منها ما تفرد به من هذا الحديث عن عائشة، وذلك أن مراسيل الحسن شبه الريح، وهي من أضعف المراسيل؛ لأنه كان يأخذ عن كل أحد.
وعلى هذا: فإن شقه الأول: أن رسول الله ﷺ أَحَلَّ من قتل الدواب - والرجل محرم - أن يقتل: الحية، والعقرب، والكلبَ العقور، والغراب الأبقع، والْحُدَيَّا، والفأرة. حديث صحيح ملفق، قد ثبت بعضه من حديث عروة عن عائشة، ومن حديث القاسم عن عائشة، وبعضه الآخر من حديث ابن المسيب عن عائشة.
ففي حديث عروة والقاسم عن عائشة مرفوعاً:«خمس فواسق، يُقتَلْنَ في الحرم: العقرب، والفأرة، و الْحُدَيَّا، والغراب، والكلب العقور».
وفي حديث ابن المسيب عن عائشة مرفوعاً:«خمس فواسق، يُقتَلْنَ في الحل والحرم الحية، والغراب الأبقع، والفأرة، والكلب العقور، و الْحُدَيَّا».
وإنما قلت: صحيح ملفق، لأمرين: الأول: أن الصحيح من أحاديث الباب: إنما ذكر فيها خمسة أجناس، مثل حديث ابن عمر، وحديث حفصة، وحديث أبي هريرة، وحديث عروة والقاسم وابن المسيب عن عائشة، والمذكور هنا في حديث الحسن عن عائشة: ستة أجناس، فدل ذلك على وقوع التلفيق، والثاني: لأجل غلبة الظن أن الحسن سمعه من أكثر من واحد عن عائشة، ثم لفق أحاديثهم، مثلما فعل الزهري في حديث الإفك.
• وأما شقه الثاني: ولدغ رسول الله ﷺ عقرب؛ فأمر بقتلها وهو محرم.
فلا يثبت لإرساله، ولا أعلم حديثاً ثابتاً: أن النبي ﷺ لدغته عقرب وهو يصلي. [راجع: فضل الرحيم الودود (١٠/ ١٠٠/ ٩٢١)].