للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث / الرقم المسلسل:

وترجيح رابع عشر: وهو أن النسك الذي اشتمل على سوق الهدي أفضل بلا ريب من نسك خلا عن الهدي، فإذا قرن، كان هديه عن كل واحد من النسكين، فلم يخل نسك منهما عن هدي، ولهذا - والله أعلم - أمر رسول الله من ساق الهدي أن يهل بالحج والعمرة معاً، وأشار إلى ذلك في المتفق عليه من حديث البراء بقوله: «إني سقت الهدي وقرنت».

وترجيح خامس عشر: وهو أنه قد ثبت أن التمتع أفضل من الإفراد لوجوه كثيرة، منها: أنه أمرهم بفسخ الحج إليه، ومحال أن ينقلهم من الفاضل إلى المفضول الذي هو دونه، ومنها: أنه تأسف على كونه لم يفعله بقوله: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي ولجعلتها عمرة».

ومنها: أنه أمر به كل من لم يسق الهدي.

ومنها: أن الحج الذي استقر عليه فعله وفعل أصحابه القرآن لمن ساق الهدي، والتمتع لمن لم يسق الهدي، ولوجوه كثيرة غير هذه، والمتمتع إذا ساق الهدي، فهو أفضل من متمتع اشتراه من مكة، بل في أحد القولين: لا هدي إلا ما جمع فيه بين الحل والحرم، فإذا ثبت هذا، فالقارن السائق أفضل من متمتع لم يسق، ومن متمتع ساق الهدي لأنه قد ساق من حين أحرم، والمتمتع إنما يسوق الهدي من أدنى الحل، فكيف يجعل مفرد لم يسق هدياً، أفضل من متمتع ساقه من أدنى الحل؟ فكيف إذا جعل أفضل من قارن ساقه من الميقات، وهذا بحمد الله واضح».

ثم قال (٢/ ١٤٢): «وأما الذين قالوا: إنه حج حجاً مفرداً اعتمر عقيبه من التنعيم، فلا يعلم لهم عذر ألبتة؛ إلا ما تقدم من أنهم سمعوا: أنه أفرد الحج، وأن عادة المفردين أن يعتمروا من التنعيم، فتوهموا أنه فعل كذلك.

وأما الذين غلطوا في إهلاله، فمن قال: إنه لبى بالعمرة وحدها واستمر عليها، فعذره أنه سمع أن رسول الله تمتع، والمتمتع عنده من أهل بعمرة مفردة بشروطها، وقد قالت له حفصة : ما شأن الناس حلوا ولم تحل من عمرتك؟ وكل هذا لا يدل على أنه قال: لبيك بعمرة مفردة، ولم ينقل هذا أحد عنه ألبتة، فهو وهم محض، والأحاديث الصحيحة المستفيضة في لفظه في إهلاله تبطل هذا.

وأما من قال: إنه لبى بالحج وحده، ثم أدخل عليه العمرة، وظن أنه بذلك تجتمع الأحاديث، فعذره أنه رأى أحاديث إفراده بالحج صحيحة، فحملها على ابتداء إحرامه، ثم إنه أتاه آت من ربه تعالى فقال: قل: عمرة في حجة، فأدخل العمرة حينئذ على الحج، فصار قارناً؛ ولهذا قال للبراء بن عازب: «إني سقت الهدي وقرنت»، فكان مفرداً في ابتداء إحرامه، قارناً في أثنائه، وأيضاً فإن أحداً لم يقل إنه أهل بالعمرة، ولا لبي بالعمرة، ولا أفرد العمرة، ولا قال: خرجنا لا ننوي إلا العمرة، بل قالوا: أهل بالحج، ولبي بالحج، وأفرد الحج، وخرجنا لا ننوي إلا الحج، وهذا يدل على أن الإحرام وقع أولاً بالحج، ثم

<<  <  ج: ص:  >  >>