عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة بدأ فأفرغ على يديه، ثم يدخلها في الإناء، ثم يغسل فرجه وما مس النكاح، ثم يتوضأ وضوءه للصلاة، ثم يفيض على رأسه ثلاث حثيات، يخلل بين أصول شعره، ثم يفيض على جسده، ثم يغسل قدميه حين ينصرف.
قال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن أبي الأسود إلا ابن لهيعة".
فإن كان كما قال: أعني: توبع عليه عمران بن هارون، وهو حديث معروف عن ابن لهيعة، فحينئذ يكون مثله صالحًا للاستشهاد، وإلا فلا.
فإن إسناد الطبراني هذا مسلسل بالضعفاء:
ابن لهيعة: ضعيف، وعمران بن هارون الرملي الصوفي: قال أبو زرعة: "صدوق"، وروى عنه، وقال ابن حبان في الثقات: "يخطئ ويخالف"، وقال ابن يونس: "في حديثه لين" [الجرح والتعديل (٦/ ٣٠٧)، الثقات (٨/ ٤٩٨)، تاريخ الإسلام (١٦/ ٣٠٨)، اللسان (٤/ ٤٠٤)]، ومسعود بن محمد الرملي: قال الهيثمي في المجمع (٥/ ٣١): "وهو ضعيف"، وقد ذهب العلامة الألباني -رحمه الله تعالى- في الضعيفة (٨/ ٢٩١/ ٣٨٢٦) إلى توهيم الهيثمي في حكمه هذا، بناءً على أنه التبس عليه بأبي سعيد مسعود بن محمد الجرجاني المترجم له في الميزان (٤/ ١٠٠)، وذيله (٤١٨)، وإنما هذا آخر غيره، وهو أبو الجارود مسعود بن محمد بن مسعود الرملي: شيخ روى عنه الطبراني أحاديث، وهو شيخ مقل، ليس بالمكثر، وله أفراد [انظر: أطراف الغرائب والأفراد للدارقطني (٥/ ١٣٩/ ٤٩٣٠)].
• وللحديث أسانيد أخرى، وألفاظ أخرى:
انظر: صحيح مسلم (٣٢١/ ٤٣)، صحيح أبي عوانة (١/ ٢٤٩/ ٨٥٨)، مسند أحمد (٦/ ٢٥٢)، المعجم الأوسط للطبراني (٨/ ٣٥٦/ ٨٨٦٢)، الناسخ لابن شاهين (٤٦)، سنن البيهقي (١/ ١٧٢).
قال ابن عبد البر في أول شرحه لحديث عائشة في صفة غسل النبي ﷺ من الجنابة: "في هذا الحديث كيفية غسل المغتسل من الجنابة، وهو من أحسن حديث روي في ذلك، وفيه فرض وسُّنَّة، فأما السُّنَّة: فالوضوء قبل الاغتسال من الجنابة، ثبت ذلك عن رسول الله ﷺ أنه كان يفعل ذلك.
إلا أن المغتسل من الجنابة إذا لم يتوضأ، وعم جميع جسده ورأسه ويديه ورجليه وسائر بدنه بالماء، وأسبغ ذلك وأكمله بالغسل، ومرر يديه؛ فقد أدى ما عليه -إذا قصد الغسل ونواه-، وتم غسله.
لأن الله ﷿ إنما فرض على الجنب الغسل دون الوضوء بقوله ﷿: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء: ٤٣]، وقوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦].
وهذا إجماع لا خلاف فيه بين العلماء.
إلا أنهم مجمعون أيضًا على استحباب الوضوء قبل الغسل للجنب تأسيًا برسول الله ﷺ، ولأنه أعون على الغسل، وأهذب فيه.