فتوجَّه بقبلتِه إليكم، وعلِم أنكم كنتم أهدَى منه، ويوشِكُ أن يدخُلَ في دينِكم. فأنزَل اللهُ في المنافقين: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ إلى قولِه: ﴿وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ﴾ وأنزلَ في الآخَرين الآياتِ بعدَها (١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ قال: حدَّثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، قال: قلتُ لعطاءٍ: ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾؟ فقال عطاءٌ: يَبْتليهم ليعلمَ من يُسلِمُ لأمرِه. قال ابنُ جُريجٍ: بلَغنى أن ناسًا ممن أسلَم رجَعوا فقالوا: مرَّةً ههنا ومرَّةً ههنا (٢)!
فإن قال لنا قائلٌ: أوَ ما كان اللهُ عالمًا بمن يتَّبعُ الرسولَ ممن ينقلِبُ على عَقِبيه، إلا بعدَ اتِّباعِ المتَّبعِ، وانقلابِ المنْقلِبِ على عَقِبيه، حتى قال: ما فعَلْنا الذي فعَلْنا من تحويلِ القبلةِ إلا لنعلَمَ المتَّبِعَ رسولَ اللهِ من المنقلِبِ على عَقِبيه؟
قيل: إن اللهَ جل ثناؤُه هو العالمُ بالأشياءِ كلِّها قبلَ كونِها، وليس قولُه: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ [بخبرٍ عن](٣) أنه لم يعلَمْ ذلك إلا بعدَ وجودِه.
فإن قال: فما معْنى ذلك؟
قيل له: أمّا معْناه عندَنا فإنه: وما جعَلْنا القبلةَ التى كنتَ عليها إلا ليعلمَ رسولى وحِزْبى وأوْليائِي مَن يتَّبِعُ الرسولَ ممن ينقلِبُ على عَقِبيه، فقال جل ثناؤُه: ﴿إِلَّا
(١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٤٢ إلى المصنف. وتقدم أوله في ص ٦٢٤. وينظر ما سيأتى في ص ٦٨٧. (٢) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٥١ عقب الأثر (١٣٤٢) معلقًا. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٤٦ إلى المصنف. (٣) في م: "يخبر".