حق قدره، ولم يعرفوا حقيقة شرعه، ولا طريق تطبيق منهجه وأحكامه، ولم يعلموا أن الله قد أحاط بكل شيء علما، فعلم ما كان وما سيكون من اختلاف الأحوال وكثرة المشاكل، وأنه أنزل شريعة عامة وشاملة، وقواعد كلية محكمة، وقدرها بكامل علمه، وبالغ حكمته فأحسن تقديرها، قد جعلها صالحة لكل زمان ومكان، فمهما اختلفت الأزمنة والحضارات، وتباينت الظروف والأحوال فهي صالحة لتنظيم معاملات العباد وتبادل المنافع بينهم، والفصل في خصوماتهم وحل مشاكلهم، وصلاح جميع شئونهم في عبادتهم ومعاملاتهم.
إن العقول التي منحها الله عباده ليعرفوه بها، وليهتدوا بفهمها لتشريعه إلى ما فيه سعادتهم في العاجل والآجل قد اتخذوا منها خصما لدودا الله فأنكروا حكمته، وحسن تدبيره وتقديره، وضاق صدرهم ذرعا بتشريعه وأساءوا الظن به فانتقصوه وردوه، وقد يصابون بذلك وهم لا يدرون، لأنهم بغرورهم بفكرهم عميت عليهم معالم الحق والعدل فكانوا من الأخسرين أعمالا ﴿الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا﴾ (١) وكانوا ممن قال الله فيهم: ﴿ألم تر إلى الذين بدلوا نعمت الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار جهنم يصلونها وبئس القرار﴾ (٢).
إن الله سبحانه كثيرا ما يذكر الناس في القرآن بأحوال المعتدين الهالكين، ويحثهم على أن يسيروا في الأرض لينظروا ما كانوا فيه من قوة ورغد عيش وحضارة، وبسطة في العلم نظر عظة واعتبار، ليتنكبوا طريقهم السيء اتقاء لسوء مصيرهم، ولفت النظر في بعض السور إلى جريمة الغرور الفكري، لشدة خطره، وبين أنه الفتنة الكبرى التي دفعوا بها في صدور الرسل وردوا بها دعوتهم، ليعرفنا بقصور عقول البشر أنها لا تصلح لمقاومة دعوة الرسل
(١) سورة الكهف، الآية: ١٠٤. (٢) سورة إبراهيم، الآية: ٢٨، ٢٩.