للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[٤ - الطريقة المثلى في الدعوة إلى الله - الحلقة الرابعة]

يختلف حال الداعية في استدلاله باختلاف حال من يسأله عن قضية أو يحاجه فيها، فقد يكون مقرا بأصول تلك القضية، معترفا بما يوجب عليه التزامها والعمل بها، فلا يشغل المستدل نفسه بإثبات تلك الأصول وإقامة الحجة عليها، فقد أغناه اعتراف سائله أو خصمه بها عن الاحتجاج عليها، بل يوجه عنايته إلى بيان اقتضاء هذه الأصول إثبات دعواه فيما خالفه فيه خصمه ليحمله على موافقته فيها واعتقاده إياها والعمل بها، من ذلك استدلال الرسل عليهم الصلاة والسلام بما أقر به المشركون من توحيد الربوبية على إثبات ما أنكروه من توحيد الإلهية، وقد أرشد الله جل شأنه إلى هذا في كثير من آيات القرآن، وهي أدلة عقلية نقلية في وقت واحد، ومن ذلك أيضا احتجاج المسلم على المسلم بقوله تعالى ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾ (١)، على حفظ القرآن وصيانة نصوصه وألفاظه من التحريف والتبديل وبقائه بلفظه كما نزل، ليكون حجة على عباده إلى أن تقوم الساعة، وهذا دليل نقلي تقوم به الحجة على من آمن ببقاء ما بين دفتي المصحف إلى وقت الخصومة، لكنه خالف في استمرار حفظه في المستقبل.

وقد يكون السائل شاكا في أصول ما سأل عنه، طالبا الدليل على تلك الأصول أو منكرا لها حتى إذا ما ثبتت بالحجة ثبت تبعا لها ما سأل عنه أو أنكره، فيضطر المستدل إلى إثبات هذه الأصول بالأدلة العقلية، كالذي حاج إبراهيم في ربه، فإن إبراهيم استدل على إثبات الربوبية لله بأنه هو الذي يحيي ويميت، فسلك الكافر في جداله طريق التمويه وادعى لنفسه أنه


(١) سورة الحجر، الآية: ٩.

<<  <  ج: ص:  >  >>