من الصدور من دون اعتماد على المصاحف لوجد في كل دولة من الدول الإسلامية جماعة كثيرة تمليه من حفظها دون رجوع إلى المكتوب لديها والحاضر شاهد عيان بذلك لمن أنصف، ولو لم يكن سوى ذلك في نقل القرآن لكان كافيا في ثبوت التواتر، فكيف وقد نقل إلينا متواترا أيضا بطريق الكتابة وإليك بيانه:
[٣ - وصوله إلينا متواترا بطريق الكتابة]
كما عني النبي ﷺ بتبليغ القرآن بالمشافهة وضبطه بالتلاوة والدراسة، عني بتبليغه بالكتابة أيضا، فكان كلما نزل عليه الوحى بالقرآن دعا كاتبه وأملى عليه ما أنزل فكتبه في الصحاف والأكتاف ونحوها، مما كان يستعمل للكتابة في عهدهم. ثبت أنه لما نزل عليه قوله تعالى ﴿لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم﴾ (١) قال النبي ﷺ للبراء: «ادع لي زيدا يجيء باللوح والدواة والكتف»(٢) … إلخ. رواه أصحاب السنن، ولم تكن الكتابة وقفا على زيد بن ثابت، بل كان لرسول الله ﷺ كثير من الكتاب منهم في الجملة الخلفاء الراشدون، والزبير بن العوام، وخالد بن سعيد العاص وأخوه ابان، وحنظلة بن الربيع الأسدي، ومعيقيب ابن أبي فاطمة، وعبد الله بن الأرقم الزهري، وشرحبيل بن حسنة، وعبد الله بن رواحة، وعبد الله بن سعد بن أبي السرح، وكل هؤلاء من قريش أسلموا قبل الفتح وكتبوا له الوحي وكتب له بالمدينة أبي بن كعب، وزيد بن ثابت، إلا أن زيدا كان أكثر الصحابة كتابة لرسول الله ﷺ. وبذلك اشتهر ومن أجله اختاره أبو بكر وعمر لجمع القرآن ورضيه المسلمون، فقام بذلك خير قيام مع الإستعانة بإخوانه من الصحابة رضي الله عليهم كما هو واضح في بحث جمع القرآن.
(١) سورة النساء، الآية: ٩٥. (٢) أخرجه الترمذي في تفسير القرآن في باب. من سورة النساء (٣٠، ٢١) وقال حسن صحيح.