للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الحس وأدلة الشرع والعقل، ولم يكن من اقتحم باب البحث في كنه الله وكيفيات صفاته فغلوا في ذلك نفيا أو إثباتا بأهدى سبيلا من هؤلاء، بل وقع الجميع في حيرة ومتاهات لا نجاة لهم منها إلا بمعرفتهم قدر أنفسهم، والحدود التي يجب أن تنتهي إليها أفكارهم ويعلموا أنهم لم يؤتوا من العلم إلا قليلا، ويلزموا ما جاء في شريعة الله فما تبين من ذلك وجب اعتقاده، وما لم يتبين من التفاصيل والكيفيات وجب التسليم له، والقول بما قال الراسخون في العلم ﴿آمنا به كل من عند ربنا﴾ (١). وحرم الخوض فيه، لقوله تعالى: ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا﴾ (٢).

واستهوى الشيطان من هؤلاء المغرورين طائفة أخرى، فزين لها أن تسن قوانين من عند أنفسها لتتحاكم إليها، وتفصل بها في خصوماتها، وسول لها أن تضع قواعد بمحض تفكيرها وهواها، تنظم بها اقتصادها وسائر معاملاتها، محادة لكتاب الله وسنة رسوله ، وانتقاصا لتشريعهما وزعما منها أن تشريع الله لا يصلح للتطبيق والعمل به في عهدهم، ولا يكفل لهم مصالحهم، ولا يعالج ما جد من مشاكلهم، حيث اختلفت الظروف والأحوال عما كانت عليه أيام نزول الوحي واتسع نطاق المعاملات، وكثرت المشكلات، فلابد لتنظيم المعاملات، والفصل في الخصومات من قواعد وقوانين جديدة، يضعها المفكرون من أهل العصر الواقفون على أحوال أهله، المطلعون على المشاكل العارفون بأسبابها وطرق حلها لترتكز على واقع الحياة، وتتناسب مع أحوال الناس وظروفهم الحاضرة، ومع مستوى ثقافتهم وحضارتهم الراهنة.

فهؤلاء لم يقدروا عقولهم قدرها، ولم ينزلوها منزلتها، ولم يقدروا الله.


(١) سورة آل عمران، الآية: ٧.
(٢) سورة الإسراء، الآية: ٣٦.

<<  <  ج: ص:  >  >>