للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

والهدى والرشاد، فلم يجد فيها سمات الربوبية، ولا الصفات التي تستحق بها أن تؤله وتعبد، وانتهى به نظره واستدلاله لنفسه إلى ما أعلنه أخيرا من البراءة من الشرك والشركاء، والتوجه الله رب العالمين وحده، ثم كان مقام دعوته لأبيه وقومه إلى التوحيد ومناظرته لهم فيما كانوا عليه من الشرك بعد الرسالة.

وعلى هذا يستطع الداعية إلى الإسلام أن يجد لنفسه أيضا قدوة حسنة وأسوة رشيدة في سيرة إبراهيم ، وفي خبر الله عن منهجه في هذه الآيات، فيبدأ النظر في الآيات الكونية والدلائل الشرعية، ليعلم الحق في نفسه أولا، ثم يتبع ذلك الدعوة إليه، ليكون في دعوته على بينة وبصيرة، فعلى كلا المعنيين لهذه الآيات يجد الداعية إلى الحق في خليل الرحمن مثالا حسنا يحتذيه، وميزانا عادلا يزن به عقيدته وعمله ودعوته ويقتفي أثره فيه.

إن دعوة إبراهيم أباه وقومه إلى التوحيد مع سلامته وقوة استدلاله عليها، وحسن سياسته وحكمه واستقامة منهجه فيها لم تجد لديهم قبولا، لأن قلوبهم في غلاف من العناد والصدود من اللجاج، فلم تتفتح لدعوة الحق، ولم تشأ أن تتقبلها، ولأن عواطفهم متبلدة بل ممسوخة، قد انحرف بها الهوى وتقليد الآباء وتحكم العادات السيئة عن الجادة وحدة الإعتدال، فلم تتأثر بالحق ولم تجد لنفسها فيه لذة ولا راحة، بل ذهبوا يجادلونه في الحق بعد ما تبين، ويهددونه ويخوفونه أن تصيبه آلهتهم بسوء فلا يحمد العاقبة، فما كان من إبراهيم إلا أن ثبت على الحق واطمأنت به نفسه وازداد إيمانا به، فأنكر عليهم جدالهم إياه بالباطل، وتخويفه من خطر آلهتهم، مع أنها لا تملك لنفسها ضرا ولا نفعا، ولا تدفع عنها بأسا، وهو يركن إلى الركن الركين، ويتوكل على رب العالمين، وقد أخلص له قلبه وأسلم له وجهه، وقام بما أمره به من الدعوة إلى الحنفية السمحة، فهو أحق بالأمن والسلام ممن هددوه وخوفوه، لكن على تقدير أن يصيبه مكروه فهو من الله سبحانه، ابتلاء وامتحانا.

<<  <  ج: ص:  >  >>