للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ونفسه وعرضه، فيستطيع أن يقيم فيها دينه دون خوف أو تهديد. وهذا النوع من الهجرة هو ما حصل من النبي ومن المسلمين عندما انتقلوا من مكة المكرمة إلى المدينة النبوية حيث كان الكفر وقتها غالب على أهل مكة وكانوا يؤذون المسلمين ويضيقون عليهم في أمور دينهم.

وهذه الهجرة هي التي عناها النبي بقوله: (لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها) (١) ذلك لأن الناس لا يزال منهم قسمان قسم من أهل الخير والصلاح، وقسم من أهل الشر والضلال والفساد فإن غلب أهل الخير على أهل الشر والفساد في عهد من العهود أو في مكان من الأماكن فهذا هو المراد وذلك هو المطلوب. وفي مثل هذا المجتمع الذي يقوى فيه أهل الخير والصلاح يستطيع الإنسان المسلم أن يقيم دينه ويعبد ربه ويأمن على نفسه وعرضه وتسمى هذه الدار دار إسلام وإيمان.

وفي بعض العهود والأوقات والأماكن قد يضعف أهل الإسلام والإيمان، وتضعف شوكة أهل الصلاح، ويقوى عليهم أهل الشر والفساد، فيضعف المسلم عن إقامة دينه ولا يأمن على نفسه ولا على عرضه فحينئذ يجب على المسلم أن يبحث عن مكان وبيئة أصلح من هذه، فيهاجر إليها ويترك هذا المكان الذي تسلط فيه أهل الكفر والضلال وقويت شوكتهم فيه. وتسمى هذه الدار دار كفر.

وأما الهجرة الثانية أو النوع والقسم الثاني فهو هجرة الحال وقد فسره النبي في هذا الحديث «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه» فالهجرة بهذا المعنى أن يهجر المسلم السيئات والمعاصي وأن ينتقل من حال، المعصية والبعد عن الله ومخالفة أمره والتجرؤ على حرماته إلى حال آخر، وهو


(١) حدث صحح رواه أحمد (١/ ١٩٢).

<<  <  ج: ص:  >  >>