وهناك نوع آخر من المسلمين يختلف عن النوع السابق، فقد تجده يحكم لسانه ويقل به الكلام، ولكنه يؤذي المسلمين بيده، فيضرب بيده أبدان المسلمين، ويعتدي على أموالهم، فيسرقهم، أو يسلبهم حقوقهم، أو يظلمهم، فهذا أيضا قد فقد أمارة من الأمارات الظاهرة التي تدل على إسلام المرء وعلى إيمانه.
وعلى هذا فلا يكتمل إسلام عبد حتى يحب المسلمين، ويترك إيذاءهم بلسانه، ويترك إيذاءهم بيده. ولا يتم إسلام عبد وإيمانه حتى يشغل لسانه في الأعمال التي يكون فيها نفع له في الدنيا والآخرة، فيعمل لسانه في تلاوة كتاب الله وفي ذكره ﷾، ويعمل بلسانه في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ونشر العلم النافع، أو تقديم النصيحة والمشورة المفيدة النافعة، وغير ذلك من المصالح التي تعود بالنفع العاجل على المرء وعلى إخوانه المسلمين.
ولو تحقق أن كف المسلم لسانه عن إيذاء الناس، وكف يده كذلك عن إيذاء الناس فلا يكسب بيده شرا، وإنما يعملها في الخير والنفع، ولو تحقق هذا لصار المسلم آمنا في سفره وفي إقامته، وفي بيته وخارج بيته، ولصار مجتمع المسلمين، مجتمعا فاضلا على ما يحب الله ورسوله وقول النبي ﷺ:«والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه» معناه أن الهجرة المطلوبة من كل مسلم هي ترك وهجر المعاصي والسيئات التي نهى الله عنها ونهى عنها رسوله ﷺ.
والهجرة تطلق على معنيين: الأول هجرة المكان. والثاني: هجرة الحال. فالهجرة المكانية هي الإنتقال من دار الكفر التي يغلب الكفر على أهلها وعلى أحكامها وعلى حكامها، ولا يستطيع الإنسان فيها أن يقيم شعائر دينه، ولا يأمن فيها على دينه ونفسه وعرضه فينتقل من هذا المكان ومن هذه الدار إلى دار أخرى تنتفي فيها هذه المثالب ويستطيع أن يقيم فيها المسلم آمنا على دينه.