للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

أنكحوا الغلام الجارية، وأنفقوا عليهما منه وتصدقا» (١) فكلا الرجلين تورع عن أخذ المال والإنفاق منه لأنه حصلت شبهة في هذا المال هل هو حلال لأحدهما أم حرام، فما كان من الرجلين إلا أنهما ابتعدا عن المال حتى حكم فيه هذا الحكم بهذا التصرف في هذا المال، ومن وقع في الشبهات يوشك أن يقع في الحرام، من وقع فيما ارتاب فيه، واجترأ على ذلك، ولم يبال بذلك، يوشك ويقرب أن يجترأ على المحرم فيقع فيه، وهذا دليل على وجوب سد الذرائع والطرق الموصلة إلى الحرام. وقد قال رسول الله في حديث آخر: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» (٢) دع ما تشك فيه إلى ما تتيقنه. وتعلم أنه حلال لا غبار عليه.

ثم يقول الرسول : «ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كراع يرعى حول الحمى، يوشك أن يواقعه» كان عظماء العرب في الجاهلية يحمون لأنفسهم مناطق يحرمون على غيرهم الرعى فيها. فإذا حمى أحدهم منطقة فإنه يحظر على غيره أن يرعى فيها إبله أو بقره و غنمه. فإذا حمى أحد الملوك أو الوجهاء أو العظماء الذين لهم سطوة وقوة مكانا، وجاء إنسان يرعى حول هذا الحمى غنمه أو إبله، فإنه لربما شردت أحدها ودخلت هذا الحمى فيتعرض بذلك لعقاب وبطش صاحب هذا الحمى.

كذلك من يقع في الشبهات فهو مقترب من الحمى ودان منه، وهو على وشك أن يقع في الحرام لأن حمى الله محارمه فهو - يعني الواقع في الشبهات - مثله كمثل هذا الراعي الذي يرعى حول الحمى.

ثم نبهنا رسول الله إلى أن الأصل في صلاح الإنسان واستقامة جوارحه وسعادته وسلامته في أعماله، وبعده عما حرم الله وامتثاله ما أمر الله، العماد في


(١) حدث صحيح رواه البخاري (٣٤٧٢).
(٢) حدث صحيح رواه أحمد (١/ ٢٠٠). وابن حبان (٥١٢، ٥١٣) موارد من حديث الحسن بن على .

<<  <  ج: ص:  >  >>