ثم إن متع الدنيا زائلة فانية ومتع الآخرة ونعيمها مقيم، ومتع الدنيا وملذاتها تشوبها التكدير والتنغيص ولا يصفو فيها عيش لأحد مهما كان من أمره وأمر ما يملك من وسائل الملك ونعيم العيش، لابد وأن يعتريه التكدير أما نعيم الآخرة فسيكون خاليا من الكدر، خالصا من المنغصات.
ثم إن متع الدنيا وملذاتها مع كونها زائلة وفانية ومصحوبة بالكدر والتنغيص في كل أحوالها كسبا وإستعمالا واستمتاعا، فإنه يعقبها الحساب والتقصي على كل صغيرة وكبيرة منها. ولابد من جزاء ثوابا أو عقابا على هذه المتع والملذات كما قال ﷾ ﴿ثم لتسألن يومئذ عن النعيم﴾ (١) وقال ﷺ«لا تزول قدما ابن آدم يوم القيامة من عند ربه حتى يسأل عن خمس: عن عمره فيما أفناه؟ وعن شبابه فيما أبلاه؟ وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه؟ وماذا عمل في علمه»(٢).
وهذا تحليل لطبيعة الإنسان وبيان لما يجب أن يكون عليه الإنسان في دنياه، وما يجلب له السعادة والخير في دنياه وأخراه، فيسعد في الحياة الدنيا بإتباعه لشريعة الله، ويسعد السعادة الأبدية في أخراه. فيقول تعالى ﴿بل تؤثرون الحياة الدنيا … والآخرة خير وأبقى﴾. والآخرة خير وأبقى فينبغي أن يكون حال المسلم عكس ما هو عليه حال الناس فيجب أن يصرف همته للعمل من أجل سعادته في الآخرة، وإن عمل شيئا لأمر دنياه يحسن فيه النية وأنه إنما يفعل ذلك للإستعانة به على طاعة الله وتنفيذ الأوامر. والتقرب إلى الله ﷿ بما كسب وحصل من أمور الدنيا، فينوي بكسبه عفة نفسه وأولاده عن الإحتياج والسؤال والمذلة لغير الله تعالى.
فإن العبد إذا أحسن النية وقصد قصدا طيبا في عمل المباح فإنه يتحول بالنية
(١) سورة التكاثر (٨). (٢) حدث حسن لغيره رواه الترمذي (٢٤١٨) بإسناد ضعيف عن ابن مسعود وله شاهد باسناد حسن رواه الترمذي (٥٤١٩) من حديث أبي برزة الأسلمي.