ثم ذكر الله جل شأنه الأمر الثالث وهو أن كثير من العباد كذب باليوم الآخر وكفر به، بدلوا نعمة الله كفرا، مع أن الله جل شأنه قد ذكرهم في كتابه وعلي السنة رسله بأنه جعل عليهم ملائكة كرام كاتبين يكتبون ما يفعلون، يكتبون عندهم في صحف ويسجلون فيها الحسنات والسيئات زيادة على علم الله المحيط بما كان وما لم يكن وما سيكون، ومحيط بأعمالهم وأحوالهم. فعلمه محيط وهو مطلع وشاهد على ما ظهر منهم وما خفي وكان هذا كافيا، ومع هذا رتب ملائكة يكتبون ويسجلون أفعال العباد وما عملوا من خير وشر كما قال الله تعالى: ﴿كلا﴾ وهي كلمة زجر تزجرهم عن الإغترار بكرم الله ﷾، وأن إقرارهم بكرم الله ﷾ يوجب عليهم عكس ذلك. فكأنه يقول انزجروا عن اغتراركم بربكم.
ثم انتقل ﷾ إلى الإخبار عن تكذيب بعض الناس بيوم القيامة مع وجود ما يمنع من هذا التكذيب فيقول سبحانه ﴿وإن عليكم لحافظين (١٠) كراما كاتبين (١١) يعلمون ما تفعلون﴾ (١) هم يكتبون عن بينة وعن بصيرة. كما قال تعالى: في آية أخرى في سورة ق والقرآن المجيد ﴿ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد﴾ (٢) ما يلفظ أي إنسان من قول يتكلم به إلا لديه وعنده ملك رقيب يراقب أعماله، أعمال الخير، وملك أخر يراقب أعمال الشر و عتيد يعني دائم. وفي هذا ما يدعو العبد إلى الإبتعاد عن المعاصي والشر، ويدعوه إلى الإقبال على ما يرضي الله ربه ﵎.
والأمر الرابع وهو إنقسام الناس إلى فريقين أبرار وفجار، أهل نعيم وأهل جحيم وهذا في قوله تعالى ﴿إن الأبرار لفي نعيم (١٣) وإن الفجار لفي جحيم﴾ (٣)
(١) سورة الإنفطار، الآية: ١٠ - ١٢. (٢) سورة ق، الآية: ١٨ (٣) سورة الإنفطار، الآية: ١٣، ١٤.