أما السفيه: الذي لا حكمة عنده فقد يحسن إلى المسيء فيعيطيه، وقد يسيء إلى المحسن فيمنعه، فعمل السفيه وتصرفه لا يستند إلى علم بالمصلحة ولا يستند حكمة في العطاء والمنع. ولكن الله ﷿ كريم وحكيم وعليم ومن حكمته أنه يضع كرمه في أهل طاعته، وأن يضع عقوبته في أهل معصيته، فكرمه ﷾ ليس سببا ولا ينبغي أن يكون سببا في غواية الناس وضلالهم بل يجب على العباد أن يشكروه وأن يعبدوه وحده لا شريك له. وأن يتجنبوا معصيته شكرا له ﷾ على جوده وكرمه الذي أكرمهم به، فقد خلقهم في أحسن صورة وفي أحسن تقويم وكرمهم كما قال تعالى: ﴿ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا﴾ (١).
فمقتضى أن كرمهم أن يستقيم العباد على شريعة الله التي بعث بها رسله. فإن مصلحتهم في ذلك، وفي ذلك سعادتهم وهدايتهم وكان مقتضى كرمه أن يستقيموا على شرعه سبحانه، وأن يسلكوا سبيل طاعته. قال تعالى: ﴿هل جزاء الإحسان إلا الإحسان﴾ (٢) خلقهم فعدلهم فصاروا في أكمل هيئة وأحسن تقويم قال تعالى: ﴿لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم﴾ (٣) تناسق وتكامل بين الأعضاء والأجهزة، وفكر وعقل يميز بين الطيب والخبيث، بين الخير والشر، ثم شريعة تكمل إدراكه وتميزه بين ما ينفعه وبين ما يضره، هذا كله إحسان منه ﷾ إلى خلقه، وإلى عباده، وكان مقتضى هذا الإحسان الشكر والإمتنان، لا الجحود والنكران.
﴿يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم الذي خلقك فسواك فعدلك * في أي صورة ما شاء ركبك﴾ (٤).
(١) سورة الإسراء، الآية: ٧٠. (٢) سورة الرحمن، الآية: ٦٠. (٣) سورة التين، الآية: ٤. (٤) سورة الإنفطار، الآية: ٦ - ٨.