للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ثم ﴿قال رب اجعل لي آية قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال سويا﴾ (١) وفي الآية الأخرى ﴿إلا رمزا﴾ (٢) فكان إذا أراد أن يتكلم مع الناس في الكلام العادي لا يستطيع ذلك طيلة هذه المدة، ولا يستطيع أن ينطق وإنما يفهمهم ما يريد بالإشارة والرمز ولم يكن هذا لعيب في آلة نطقه، ولا لمرض طرأ عليه وإنما هذا آية من الآيات، ولذلك فهو إذا أراد أن يسبح وأراد الذكر انطلق لسانه أما إذا أراد الحديث مع الناس انعقد لسانه فكان هذا أيضا آية من آيات البشرية. وقد ذكر الله تعالى شيئا من الأسباب العادية التي يرتب عليها الولد يقول سبحانه ﴿وأصلحنا له زوجه﴾، ما جعلها تلد وهي على حالها ووضعها، ولكن أصلحها الله للحمل والوضع وأزال ما كان بها من عقم ومن أسباب تمنع حملها. فقد جعل الله في زوجة زكريا استعداد للحمل ولذلك قال تعالى ﴿وأصلحنا له زوجه﴾ فالله اوجد الأسباب العادية فيها بعد أن كانت مفقودة.

وذكر الله عنهم هذا في القرآن فقال تعالى ﴿وزكريا إذ نادى ربه رب لا تذرني فردا وأنت خير الوارثين فاستجبنا له ووهبنا له يحيى وأصلحنا له زوجه﴾ (٣) فلم تصبح علي حالها الأول الذي كانت عليه قبل أن تحمل بل هيئت تهيئة تصلح معها للحمل، فكان زكريا أعجز من أن يهب لنفسه ولدا بل طلب من الله أن يعطيه الولد وأن يمنحه إياه فهذا عنوان البشرية، ومع ذلك كان رسولا وكان من البشر ومحمدرسول الله وهو من البشر ولا غرابة ولا بعد في هذا.

أما مريم فلم تكن نبية ولكن وهب الله لها عيسى . وحملت بدون زوج. والله الذي أصلح زوجة زكريا فصارت تستطيع الحمل بعد أن لم تكن تستطيعه، هو الذي جعل مريم تحمل بدون زوج بإذنه تعالى وذكر الله.


(١) سورة مريم (١٠).
(٢) سورة آل عمران (٤١).
(٣) سورة الأنبياء (٩٠).

<<  <  ج: ص:  >  >>