للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فاقترعوا واستهموا فيمن يلقون من الركاب فيكون ضحية وفداء للآخرين، فقرع يونس فرموه في البحر فوقع في ضيق أشد من الضيق الذي كان فيه بين ظهراني قومه، إذ أصبح في ظلمات البحر والحوت والليل وغير ذلك من ظلمات. وفي الظلمات سبح يونس ربه ﷿ ودعاه، واعترف على نفسه بالظلم والتقصير فقال ﴿لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين﴾ (١) فحفظه الله تعالى ونجاه من هذه الظلمات كما سبق الإشارة إليه فسياق هذه القصة وما فيها يدل بما لا يدع مجالا للشك على بشرية يونس وأنه كان رسولا نبيا فمحمد وهو من البشر كان نبيا ورسولا. وكما لم تمنع البشرية يونس من النبوة والرسالة لا تمنع بشرية محمد من أن يكون نبيا ورسولا عليهم جميعا الصلاة والسلام.

ثم جاء بعد هذا ذكر زكريا (٢) وهو أحد أنبياء بني إسرائيل وكانت زوجته عقيما لا تلد و قد بلغ من الكبر عتيا أي بلغ سنا لا يستطيع معه أن يأتي النساء لكبر سنه وضعف قوته لكنه لما رأى مريم وعبادتها لربها وأن أثر هذه العبادة والتقوى ظهر في الدنيا قبل الآخرة، وأنه كان يأتيها رزقها بكرة وعشيا وفي كل حين. ووجد منها أشياء هي خوارق للعادات التي يعرفها في البشر، لما رأى الصلاح في مريم اشتاقت نفسه للولد الذي يرى فيه الصلاح والتقوى. فرغب إلى ربه تعالي وطلب منه أن يعطيه الولد فاستجاب الله تعالى لدعائه ولبي رغبته ووعده بالولد. ولكن زكريا يريد أن يطمئن ويزداد إيمانا بموعود الله له لأنه بشر هو وزوجته بالولد في حالة لا تسمح لهما بالإنجاب في عرف البشر، وما جرت به عادتهم، فلذلك يريد أن يزداد إطمئنانا وإيمانا إذ هو لا ينكر على ربه أن يخلق ما يشاء، لأنه القادر على كل شيء ولا يعجزه شيء ولذلك قال ﴿قال رب أنى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر﴾ (٣).


(١) سورة الأنبياء آية: (٨٧).
(٢) اقرأ الآية (٨٩ - ٩٠) من السورة.
(٣) سورة آل عمران (٤٠)

<<  <  ج: ص:  >  >>