ثم انتقلت السورة إلى ذكر أيوب عليه (١) السلام، وذكر الله ﷿ أنه ابتلاه في صحته وماله وأهله ومرض المرض الشديد. ثم شفاه الله وأعطاه الذرية وأعطاه المال. وهذه أعراض البشرية، وقد كان نبيا رسولا فلا مانع إذن أن يكون محمد ﷺ من البشر ثم يكون نبيا رسولا.
وذكر الله ﷾ ذا النون (٢) وقد كان رسولا من عند الله. وذو النون هو يونس بن متى ﵇. وإنما سمي ذا النون والنون هو الحوت كان قد إبتلعه فنسب إليه. فذو النون يعني ذا الحوت. وكان يونس في بطن الحوت محفوظا بإذن الله تعالى. فلم يهضمه الحوت كما يهضم الطعام، وهذا كان بإذن الله تعالى، وكما أن يونس ﵇ لم ينس ذكر الله تعالى في هذا المكان الموحش فقد حفظه الله تعالى من شدائد ومحن وكروب في الظلمات، ومن أسباب الموت والهلاك التي توفرت وتداعت عليه. لكن الله ﷾ عطل أسباب الهلاك كلها عن أن تعمل عملها في يونس، وظل يونس حيا بإذن الله تعالى ومحفوظا ومصانا من كل الأذى حتى نجاه الله جل شأنه.
فما حصل ليونس ﵇ يدل على أنه بشر وأعراض البشرية ظاهرة فيه وواضحة، وكان رسولا نبيا ودعا قومه إلى الإيمان والتوحيد، وإلى طاعة الله وعبوديته فصدوا وأعرضوا ولم يستجيبوا حتى حزن يونس ﵇ على ذلك، وضاق صدره وخرج من بين أظهرهم ظنا منه ﵇ أنه مخير بين الإقامة بينهم والرحيل عنهم على حسب ما يراه من المصلحة في ذلك فخرج من بين أظهرهم في الوقت الذي أوشك الإيمان أن يدخل إلى قلوبهم. وظن أن الله لن يضيق عليه في هذا الخروج. فخرج وركب سفينة لتنقله بعيدا عن قومه فثقلت بهم السفينة وحاصرتهم أمواج البحر حتى كادوا يغرقون جميعا، فأرادوا تخفيف حمولة السفينة. وليس أحد من ركاب السفينة أولى في النجاة من الآخر.