أولاده - تربوا في بيت نبوة مع صفاء ونقاء الفطرة، يعرفون شريعة الله ويسيرون عليها وكانت إذ ذاك غضة طرية لم يشبها طمس ولا ضياع ولا تحريف، ويعلمون جميعا ما في الشريعة من عصمة دم المسلم، وحرمة سفك الدم وحرمة إزهاق النفوس والأرواح، ومع ذلك خان أحد ابنى آدم العهد فقتل أخاه. فهذا أيضا من نقض العهد والميثاق والتجرؤ على سفك الدم الحرام وهو أعظم الذنوب بعد الشرك بالله وهذا راجع إلى الآية الأولى في السورة: ﴿يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود﴾.
ثم بعد ذلك يأتي الحديث عن المحاربين الله ورسوله ﴿إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم﴾ (١)، القاطعين للطرق الذين لا يسلم الناس من شرهم ولا من أذاهم، فلا يأمنون على أنفسهم ولا على أموالهم، ولا على أعراضهم، ولا يتركون صالحا لصلاحه ولا بارا لبره، إنما يؤذون الجميع. فهذا الصنف من شر الناس نقضا للعهد والميثاق لأنهم يعتدون على كل ما فيه عهد من الله بالمحافظة عليه وصيانته. فالأموال مصونة إلا بحقها، والنفوس من أعظم الأمور صونا وحرزا، والأعراض من أعظم الأمور صونا وحرزا، فهؤلاء يعتدون على هذه الأمور المصونة، ويروعون الآمنين ويعطلون مصالح العباد التي فيها صلاح عيشهم في الدنيا والآخرة. فهم يعطلون الضرب في الأرض والسعي على الرزق، ويعطلون التزوار في الله، والرحلة في طلب العلم، والسفر للحج والعمرة، ويعطلون التنقل لصلة الأرحام. وهذه المحاربة وهذا الإفساد في الأرض هي نوع من نقض العهود التي أخذها على عباده وأمرهم بالوفاء بها والمحافظة عليها في قوله تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود﴾ ثم بين سبحانه عقوبة هذا النوع من ناقضي العهود وناكثي الوعود فحد لهم الحد الرادع الذي يناسب فعلتهم.