واجباته أو فرائضه؟، ومهما يكن من الخلاف بين الفقهاء فيما يتعلق بعرفة ومزدلفة فإنه ينبغي للحاج وقد أتعب نفسه، ويذل ماله، وترك وطنه وأهله، وعمله للحج أن يؤدي حجه على الصفة التي كانت من النبي ﷺ في حجه، تحقيقا لمعنى الاقتداء به وعملا بقوله:«خذوا عني مناسككم». واحتياطا لصحة هذه العبادة التي هي ركن من أركان الإسلام، فليجمع في الوقوف بعرفة بين جزء من ليلة النحر وجزء من نهار عرفة بعد الزوال، وليبيت بمزدلفة وليصل بها المغرب والعشاء والصبح، إلا إذا كان من جنس الضعفة الذين رخص لهم الرسول ﷺ في الإفاضة منها إلى منى بعد منتصف الليل، ولا ينبغي أن يتساهل في عبادته ويتتبع الرخص فيها وخاصة نسك الحج، فإنه قد لا يتيسر له إلا مرة واحدة في العمر، ولا يليق أن يرجع بحج مشوة قد انتقص من أطرافه بترك سننه أو واجباته، طلبا للراحة باتباع السهل من أقوال العلماء دون نظر إلى الأدلة الشرعية، بل عليه أن يحرص على الكمال ما استطاع إلى ذلك سبيلا، ليكون حجه مبرورا، فيغفر الله له ويرجع من حجه كيوم ولدته أمه وقد طهره الله من الذنوب والآثام (١).
ثم بين الله ﷾ اختلاف أحوال الناس وتباين مقاصدهم وأن سعيهم شتى، فمنهم من الدنيا أكبر همه ومبلغ علمه وغاية رغبته فهو لا يعمل إلا لها حتى إنه يبتغيها بعمل الآخرة. ولا يلهج لسانه بدعاء ربه إلا لطلب متعها فهذا يوافيه الله حظه في الدينا، وسيلاقي سوء حسابه في الآخرة لانحراف نيته وسوء قصده، وليس له في الآخرة من حرث ولا نصيب وذلك هو الخسران المبين قال تعالى: ﴿من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون (١٥) أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون﴾ (٢).
ومنهم من حسن قصده فاسلم وجهه الله وهو محسن، فاستقامت جوارحه