لكل منهما وقصر العشاء وجمع بينها وبين المغرب جمع تأخير، ولم يصل بينهما نافلة، ثم اضطجع حتى طلع الفجر، وصلى الفجر في أول الوقت بأذان وإقامة، ثم ركب ناقته حتى أتى المشعر الحرام، فاستقبل القبلة ودعا الله وكبره وهلله ووحده، ولم يزل واقفا حتى أسفر جدا ثم دفع قبل أن تطلع الشمس حتى أتى بطن محسر فأسرع حتى جاوزه، ثم تابع السير حتى أتى جمرة العقبة فرماها من بطن الوادي بسبع حصيات بعد طلوع الشمس يكبر مع كل حصاة (١).
هذا بيان من رسول الله ﷺ قولا وعملا لما ينبغي أن يكون عليه الحجاج في عرفات، وفي الإفاضة منها ثم في المزدلفة، وفي الإفاضة منها إلى منى، وقد اتفق العلماء على أن الوقوف بعرفة ركن من أركان الحج ولا يصح حج من تركه عمدا أو نسيانا أو خطأ لحديث الحج عرفة واختلفوا في أقل ما يجزئ من الوقوف بها.
فذهب الجمهور إلى أنه يجزئ الوقوف بها ساعة ما بين ليل أو نهار بعد الزوال من يوم عرفة، وذهب طائفة من الفقهاء إلى أنه يجزئ الوقوف بها ساعة من نهار عرفة أو من ليله - وهو الظاهر - لحديث عروة بن مضرس الطائي قال: قلت: يا رسول الله أتيتك من جبلي طيء، أكللت مطيتي وأتعبت نفسي، والله ما بقى من جبل إلا وقفت عليه، فهل لي من حج، فقال رسول الله ﷺ:«من صلى الغداة ههنا، ثم أقام معنا وقد وقف قبل ذلك بعرفة ليلا أو نهارا فقد تم حجه»(٢).
ورأت طائفة أنه لا يجزئ، إلا وقوف جزء من ليلة النحر، واتفقوا على أن من بات بالمزدلفة ليلة النحر، وجمع فيها بين المغرب والعشاء مع الإمام، ووقف بعد صلاة الصبح مع الإمام إلى الإسفار بعد الوقوف بعرفة فحجه تام، واختلفوا في المبيت والوقوف بعد الفجر بعد صلاة الصبح: هل هو من سنن الحج أو
(١) انظر حديث جابر بن عبد الله بن حرام الأنصاري ﵄ الذي أخرجه الإمام مسلم في صحيحه (٢١٨) باب حجة النبي ﷺ. (٢) حديث صحيح رواه النسائي (٣/ ٢٦٢) من حديث عروة بن مضرس. وانظر ترجمته والخلاف في رواية الشعبي عنه في التهذيب لابن حجر (٧/ ١٧٠).