للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وأضرب لكم مثلا بأمر واقع في غزوة الحديبية (١) الرسول كان معه ألف وأربعمائة مقاتل، ولما وصل إلى المكان المسمى بالحديبية وهو قريب من وادي فاطمة، بركت ناقته وأرادوا أن يسيروها بالإكراه فقال: دعوها فإنها مأمورة فتركوها ثم بلغه أن أهل مكة في شدة وفي إباء أن يقبلوا دخوله مكة وأرسل إليهم عثمان بن عفان ليرى شأنهم فتأخر بالرد على النبي ووقع في نفوس الكثيرين أنه قتل أو أسر.

وكان القصد من إرسال عثمان إلى هناك لكي يتبين الأمر، فلما تأخر وظنوا أنه قتل عاهد النبي أصحابه على القتال وألا يفروا من وجه الكفار حتى ولو جاءوا بجميع ما عندهم من قوة، بايعوه جميعا وسميت البيعة بيعة الرضوان.

في الوقت نفسه اجتمعت قريش في كيفية مواجهة النبي ، وذلك بعد أن أبلغهم بديل بن ورقاء الخزاعي بقوله إني قد جئتكم من عند هذا الرجل، وسمعته يقول قولا فإن شئتم عرضته عليكم، فقال سفهاؤهم لا حاجة لنا أن تحدثنا عنه بشيء، وقال ذوو الرأي منهم: هات ما سمعته فقال: سمعته يقول إنا لم نأتي لقتال أحد ولكن جئنا معتمرين، وإن قريشا قد نهكتهم الحرب وأضرت بهم فإن شاءوا أن يخلو بيني وبين الناس، وإن شاءوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا، وإن أبوا إلا القتال فوالذي نفسي بيدي لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي أو لينفذن أمره.

وعلى أثره بعثت قريش مكرز بن حفص فلما رآه قال: هذا الرجل غادر فلما جاء وتكلم، قال له مثل ما قال لبديل فرجع إلي قريش وأخبرهم.

ثم قال رجل من كنانة اسمه الحليس بن علقمة: دعوني أته فقالوا ائته فلما أشرف على النبي وأصحابه قال هذا فلان وهو من قوم يعظمون البدن فبعثوا


(١) حديث صلح الحديبية أخرجه البخاري (٢٧٣١)، (٢٧٣٢).

<<  <  ج: ص:  >  >>