الحجة، فإنه مقتضى العقل الصريح وموجب الفطرة السليمة، قال الله تعالى: ﴿يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون * الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون﴾ (١) فرتب سبحانه نهيه إياهم عن اتخاذهم شركاء له في العبادة على علمهم وإقرارهم بأنه تعالى وحده هو الذي خلقهم وخلق الذين من قبلهم، وهو الذي جعل الأرض قرارا، وذللها لهم ليمشوا في جوانبها، وليبتغوا من فضله، ورفع السماء بلا عمد وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لهم، لينعموا بما آتاهم من النعم وليتمتعوا بما أفاض عليهم من الخيرات لعلهم يتقون ربهم وولي نعمتهم، فيعبدوه وحده لا شريك له مخلصين له الدين، شكرا له على ما أسبغ عليهم من نعمه وأفاض عليهم من بركاته، وفي القرآن كثير من النظائر لهاتين الآيتين في بيان أسلوب الدعوة، ورسم الطريق الناجحة في إقامة الحجة وإلزام الخصم، لقد سلك الأنبياء والمرسلون هذه الطريقة في دعوتهم أممهم إلى الهدى ودين الحق، اهتداء بهدي الله واسترشادا بإرشاده وهو العليم الحكيم، ومن أبرزهم في ذلك أولو العزم من الرسل، ومنهم إبراهيم الخليل عليهم الصلاة والسلام.
أرسل الله جل شأنه خليله إبراهيم ﵊ إلى قوم من الفرس عتاة جبارين يعبدون التماثيل، فأنكر عليهم عكوفهم لها وتقربهم إليها، قال تعالى: ﴿ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين * إذ قال لأبيه وقومه ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون﴾ (٢)، ولما لم يكن لديهم حجة يعتمدون عليها في عبادتهم الأصنام بل تعللوا لباطلهم بما وجدوا عليه آباءهم من التقرب إلى التماثيل وعبادتهم إياها، فألغوا عقولهم وقلدوا آباءهم على غير هدى وبصيرة
(١) سورة البقرة، الآية: ٢١، ٢٢. (٢) سورة الأنبياء، الآية: ٥١، ٥٢.