للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

عندها ويتبين هذا بالتفاصيل الآتية أو بذكر شيء من التفاصيل الآتية في قوله تعالى في الآية الثانية من هذه السورة: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ولا الهدي ولا القلائد ولا آمين البيت الحرام يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا وإذا حللتم فاصطادوا ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتقوا الله إن الله شديد العقاب﴾ (١)

فهذه الآية فيها عقد وميثاق على المسلمين بعد أن تمكنوا في الأرض وصارت لهم دولة، وبعد أن أكمل الله لهم دينهم وأتم عليهم نعمته، وصاروا بإمكانهم أن يثأروا لأنفسهم، وأن ينتقموا ممن سبب لهم أذى، يأخذ الله تعالى عليهم أن لا يقابلوا السيئة بالسيئة، وأن لا يعتدوا على القاصدين لبيت الله الحرام إلى غير هذا مما ذكره الله في هذه الآية، وخاصة ما تحدث العبد به نفسه من أن يثأر لنفسه ممن ارتكب جريمة في شأنه واعتدى عليه في سابق حياته، فيبين الله جل شأنه في هذا العهد الذي أخذه على عباده الموحدين أنه لا ينبغي لهم أن يحملهم ما سبق من الكفار من صدهم المسلمين في السنة السادسة من الهجرة عن بيت الله الحرام، ومن موقفهم السيئ سنة الفتح عند دخول مكة، يبين لهم أنه لا ينبغي أن يحملهم ما سبق من أولئكم الكافرين على أن يعتدوا على الكافرين وأن يثأروا لأنفسهم منهم، وليجعلوا نعمة الله بإقدارهم لهم على الانتقام من عدوهم، ونعمة الله جل شأنه على هذا الإقدار بالعفو عن أولئك الذين سبقت منهم السيئات وتقدم منهم الأذى والضرر للمسلمين في صدهم عن بيت الله الحرام، وهذا منتهى العدل الإسلامي وهو تناسي ما سبق من السيئات بعد أن تمكن المسلم من إقامة العدل، فلا يرعى حظ نفسه بل يقف موقفا يرضى به ربه ويتألف به قلوب من سبقت منهم إساءة له فيقول تعالى: ﴿ولا يجرمنكم شنآن قوم﴾


(١) سورة المائدة، الآية: ٢

<<  <  ج: ص:  >  >>