كان أجر أحدهم يربو على الآخر، ولكل واحد منهم منزلة تناسبه. ولا يحرم أحد الثواب من عند الله ما ابتغى وجه الله بتلاوته. والإنسان في تلاوته للقرآن وتعلمه للعلوم من أي نوع، يشبه الولد الصغير، يبدأ رضيعا ولا يقوى على الطعام العادي. ثم يبدأ يحاكي الناس في الحديث، ويكون الحديث عليه صعب والكلام عليه شاق ولا يزال يحاكي الناس في حديثهم حتى يصير بإذن الله خطيبا أو محاضرا، أو عالما كبير يخف على لسانه الكلام، ويخف على فكره ما يريد أن يتكلم به أو يستنبطه بتفكيره من كتاب الله أو حديث رسول الله ﷺ أو غير ذلك مما يقرأه أو يسمعه أو يراه من السنن الكونية التي أودعها الله في هذا الكون.
فكذلكم الإنسان لا يحقر نفسه في تلاوته القرآن، فإنه مهما كان حاله في صعوبة التلاوة عليه إبتداء فهو بالمران، وبالمداومة، والاستمرار ومحاكاته لمن يحسنون التلاوة سيصير إن شاء الله مرتلا لكتاب الله خير ترتيل. والأمر يحتاج إلى وقت ومثابرة ومجاهدة للنفس.
وقد بين الرسول ﷺ أن القرآن قد يذهب عن فكر الإنسان وتغيب بعض آياته عن الذاكرة إذا الإنسان توانى في قراءته أو مراجعته لبعض الوقت. ولهذا أمر النبي ﷺ المسلمين أن يتعهدوا القرآن بالتلاوة خشية أن يتفلت من قلوبهم، وأن ينسوه فقال ﷺ: ﴿تعاهدوا القرآن فوالذي نفسي بيده، لهو أشد تفصيا من قلوب الرجال من الإبل من عقالها﴾ (١).
فالإبل إذا كانت في عقولها، كل منها في عقال فإنها تحاول التخلص والتحرر من هذه العقول والقيود. كذلك القرآن إذا أهمل الإنسان تلاوته وفترت همته عن مراجعته ذهب عنه وغاب عن فكره، فلا يكاد يقرأ إلا وتجده يخطيء في
(١) حديث صحيح رواه البخاري (٥٠٣٣)، ومسلم (٧٩١) وأحمد (٤/ ٣٩٧) كلهم من حديث أبي موسى ﵁ مرفوعا.