ثم ذكر ابن القيم أن ربا الفضل حرم تحريم الذرائع، وأن ربا النساء حرم تحريم المقاصد، فكان تحريم ربا الفضل وإن كان من الكبائر أخف من تحريم ربا النساء، ولذلك استثنى منه بيع المصوغ والحلية المباحين بجنسهما من الدارهم والدناينر نقدا مع التفاضل لشدة الحاجة إلى استعمالها، ولا يمكن تكليف كل إنسان أن يصنع لنفسه ولا يعقل إهدار الصنعة ببيعها بجنسها من الدارهم والدنانير وزنا ولا يعقل إبطال هذه الصناعة، ومن الحرج تكليفها المعاوضة مع اختلاف الجنس، وبين أن الضرورة الداعية إلى استثناء العرايا ونحوها مما رخص فيه من فروع الفقه، وأورد اعتراضات منها أنه يلزم على ذلك جواز بيع الفرع بأصله متفاضلا كالخبز بالبر. فالتزم جوازه، ومنها أنه يلزم جواز الزيادة في معاوضة الرديئة من الفضة بالجيدة منها لتقابل الزيادة الجودة، وأجاب عن ذلك بالفروق بأن الجودة هنا طبيعية والصناعة كسبية، فأورد عليه الدارهم والدنانير المضروبة مع المكسرة، فأجاب بالفرق أيضا فإن السكة لا تتقوم فيها الصناعة للمصلحة العامة المقصودة منها وهي أن تكون معيارا للناس فلا تقابل بالزيادة في العرف وإلا لفسدت المعاملة بخلاف المصوغ فإن العرف جرى بتقويم زيادة الصناعة فيه وليس في تقويمها نقض للمصلحة العامة ولا إفساد المعاملة للناس.
وقد يناقش نقد ابن القيم تعليل الربا في النقدين بالوزن بأنه لا إجماع على جواز إسلام الذهب أو الفضة في الحديد والنحاس والرصاص ونحوها من الموزونات، فإن من الحنابلة من منع من ذلك، وجعلها ربوية بناء على أن العلة الوزن كما في إحدى الروايتين عن أحمد، أما على الرواية الأخرى وهي تعليل الربا في النقدين بالثمنية فيجوز إسلامهما في الحديد ونحوه من الموزونات (١).
وقد يناقش أيضا تعليل الربا في النقدين بالثمنية بأنه غير منعكس، فإن التفاضل محرم باتفاق في المعاوضة بين أفراد الجنس الواحد من الأجناس
(١) انظر مبحث الربا في الجزء الثاني من إعلام الموقعين لابن القيم ﵀.