للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ويحمل الحمالات، ويحمل الديات، ليس لهم ذكر غير فعال آبائهم، فأنزل الله تعالى على محمد قوله ﴿فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا﴾ فأمر حجاج بيته الحرام إذا فرغوا من أعمال الحج كلها، ومن الوقوف بالمشاعر، وطواف بالبيت، ونحر للهدي، ورمي للجمار وغير ذلك، أمرهم أن يذكروه سبحانه ذكرا كثيرا، وأن يثنوا عليه بما هو أهل له كذكرهم مفاخر آبائهم، وما كان منهم من النجدة والكرم ومن أنهم كانوا يطعمون الطعام ويحملون الحمالات ويحملون الديات، أو أشد ذكرا. فإنه جل شأنه هو أهل الثناء و المجد، وما كان فيهم أو في أبائهم من خير فهو من الله سبحانه ومن توفيقه، فهو رب الخير كله ، وتصريف شئون العباد كلها إليه وبيده ﴿ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده وهو العزيز الحكيم﴾ (١) سبحانه لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع وهو على كل شيء قدير. ولما كان هو الكريم المنان وكان هو أهل المحامد والثناء، كان هو أولى بالذكر والحمد والثناء والمجد، وكان الواجب على المؤمنين أن يذكروه، وأن يحمدوه، وأن يثنوا عليه بما هو أهل له سبحانه. وكان الواجب عليهم أن يشعروا قلوبهم محبته وعظمته ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم. وليكون ذلك منهم امتدادا لجني ثمار الحج وابقاءا لأثاره في القلوب، وإحياء لذكراه في النفوس. وليقضي به على العادات الجاهلية، وما فيها من التعالي والأنانية، وإثارة الضغائن، والأحقاد والعداوات، وغير ذلك من مثيرات الخلاف والنزاع.

ولا يبعد أن يقال إن الإنسان إذا سافر أحس بوحشة الغربة، وضعف الوحدة، فيذكر المسافر أهله ذكر حنين، وحاجة إلى الأنس بهم وحاجة إلى القوة والمنعة، والوجود بين أظهرهم، فأمر الله حجاج بيته إذا هم فرغوا من حجهم، وتمكن منهم الحنين إلى أهليهم أمرهم سبحانه أن يذكروه ذكر أنس به ولجوء إلى


(١) سورة فاطر (٢)

<<  <  ج: ص:  >  >>