للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

نحن المتوكلون، فأمرهم الله ﷿ أن يتزودوا لحجهم لما في ذلك من صيانة ماء الوجه، وكف النفس عن المسألة مع عدم تعارض ذلك مع التوكل على الله، وبين لهم أن حاجتهم إلى التزود للدار الآخرة أعظم من حاجتهم للتزود لسفر الدنيا، وأن الزاد الذي يصطحب إلى الآخرة هو التقوى. وأن هذا الزاد. التقوى - أفضل أنواع الزاد، لأنه خير وأبقى، ولأنه يجلب للعبد السعادة الأبدية، لذا قال الله: ﴿وتزودوا فإن خير الزاد التقوى واتقون يا أولي الألباب﴾ (١). وقد حض الله بهذا الخطاب أولي الألباب لرجاحة عقولهم، وصفاء قلوبهم، وأرواحهم من دواعي الأهواء، ونزوات الشهوات التي تستهوي نفوسهم، وتنكد أعمالهم، وتميل بهم عن الجادة وعن الطريق المستقيم.

وقد تحرجت طائفة أخرى من الصحابة من التجارة وكسب المال في موسم الحج واعتقدوا أنهم بذلك يشابهون أهل الجاهلية، وخشوا أن يؤثر هذا على حجهم أو ينقص أجرهم، فأنزل الله ﷿ ﴿ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم﴾.

روى البخاري في صحيحه عن ابن عباس أنه قال: كانت عكاظ، ومجنة، وذي المجاز أسواق في الجاهلية، فتأثموا أن يتجروا في الموسم، فنزلت: ﴿ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم﴾ في موسم الحج (٢). فأباح الله في هذه الآية للمحرم والحاج البيع الشراء، وسائر أنواع الكسب الحلال.

وحث الله في الآية السابقة على التزود بخير الزادين زاد الدنيا وزاد الآخرة، فضلا منه ورحمة، وحثهم أن يجعلوه أمامهم في سعيهم وكسبهم، والتوكل على الله والركون إليه وحده، لا إلى الأسباب العادية، ففي يده مقاليد الأمور، فليجعلوا ثقتهم بالله وحده، لا إله إلا هو لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع، ولا معقب لحكمه ولا راد لما قضى وهو على كل شيء قدير.


(١) سورة البقرة، الآية: ١٩٧.
(٢) سورة البقرة، الآية: ١٩٨ والحديث أخرجه البخاري رقم (٤٥١٩).

<<  <  ج: ص:  >  >>