الكمال إبراء لذمته واحتياطا لدينه ثم حذر سبحانه حجاج بيته الحرام من الآفات التي تحبط أعمالهم فقال سبحانه: ﴿فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج﴾ (١) فمن أحرم بالحج وعقد عليه نيته فيجب عليه أن يصون لسانه لئلا يجلب عليه ما يفسد عليه حجه من الرفث، والفسوق، والجدال في الحج.
أما الرفث فهو الجماع ودواعيه ومنه الكلام حول الجماع ووسائله. ولهذا حرم رسول الله ﷺ أن يعقد المحرم نكاحا لنفسه (٢) أو لغيره فلا يتولى عقدا لنفسه ولا لغيره فهو - يعني الحاج - يضبط شهوة فرجه طيلة أدائه للمناسك حتى تتجمع دواعي قلبه وهمته ووجدانه على هذه العبادة وتتشبع بها روحه ويجد لذتها.
وأما الفسوق فهي جميع المعاصي التي تخرج الإنسان عن حظيرة الروح ونقاوة النفس ومكارم الأخلاق إلى غير ذلك مما حرمه الله جل وعلا على المسلمين عامة و على حجاج بيته خاصة.
وأما الجدال في الحج فهي كلمة جامعة فيدخل فيه تحريم الجدال في وقت الحج بعد أن قضى الله على نسئ الجاهلية وتغيرها مواقع الشهور، فقال النبي ﷺ:«أن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض»(٣) فعاد بذلك الحج إلى ميقاته. ويدخل فيه تحريم الجدال في موقف الحج بعد أن قال الله ذلك في قوله: ﴿فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام واذكروه كما هداكم﴾ (٤) وقد أكد ذلك رسول الله ﷺ بقوله وعمله والوقوف إنما يكون بعرفه والمزدلفة يوم التاسع من ذي الحجة وليلة العاشر، ثم المبيت بالمزدلفة، ويدخل
(١) سورة البقرة، الآية: ١٩٧. (٢) حديث صحيح رواه مسلم (١٤٠٩). وأبو داود (١٨٤١)، وأحمد (١/ ٦٤) من حيث عثمان ابن عفان ﵁ مرفرعا. (٣) حديث صحيح رواه البخاري (٣١٩٧) و مسلم (١٦٧٩) مطولا، وأحمد (٥/٣٧، ٧٣) وفي غير موضع كلهم من حديث أبي بكرة ﵁ مرفوعا. (٤) سورة البقر، الآية: ١٩٨.