حتى كاد يكون بينهم حربا وقتالا ثم احتكموا إلى أول داخل عليهم وأول قادم إليهم، وكان نبينا محمد ﷺ أول داخل عليهم فقالوا. هذا الأمين قبلنا به حكما. فقال هلم ثوبا فجيء بثوب فوضع ﷺ الحجر الأسود عليه بيده، ثم قال لتأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب فرفعوه حتى إذا بلغوا به موضعه رفعه رسول الله ﷺ بيده ووضعه في مكانه، ثم أتموا بناء الكعبة لكنهم قصرت بهم النفقة فضيقوا بناءها وحسروه عن قواعد إبراهيم ﵇ من ثلاث جوانب ودخلوا بها من جهة الشمال مقدارا معروفا اليوم بحجر إسماعيل. وظلت الكعبة على حالها الذي بنته عليها قريش حتى غلب عبد الله بن الزبير ﵄ على مكة فنقض الكعبة، وبناها على قواعد إبراهيم ﵇ وجعل لها بابين بابا شرقيا وبابا غربيا ملصقين بالأرض لقول رسول الله ﷺ لعائشة ﵂:«لولا أن قومك حديثوا عهد بكفر لهدمت الكعبة وبنيتها على قواعد إبراهيم ولجعلت لها بابين بابا شرقيا وبابا غربيا ولألصقتهما بالأرض»(١). وظلت على حالها الذي بناها عليه ابن الزبير طيلة أمارته ﵁ حتى قتله الحجاج الثقفي فردوها إلى ما كانت عليه قبل ابن الزبير ﵄. كما كانت قد بنتها قريش قبل ذلك وكما كانت عليه في عهد عبد الملك بن مروان.
ولما كانت دولة بني العباس وتولي الخلافة هارون الرشيد عزم أن يهدم الكعبة ويؤسسها على قواعد إبراهيم كما كان فعل عبد الله بن الزبير. فقال له الإمام مالك رحمه الله تعالى: يا أمير المؤمنين لا تجعل الكعبة ألعوبة للملوك لا يشاء أحد أن يهدمها إلا هدمها فترك ذلك الرشيد فبقيت على هذا إلى وقتنا الحاضر والله الموفق وصلي الله وسلم على نبينا محمد.
(١) حديث صحيح رواه البخاري (١٥٨٤) وفي غير موضع. ومسلم (١٣٣٣) والنسائي (٥/ ٢١٤). وأحمد (٦/ ١١٣).