تجد هذه الإثارة من قومه وأبيه قلوبا واعية تحفظ عنه ما يقول، وعقولا رشيدة تفقه ما سمعت من البلاغ وإحساسا مرهفا، فتتأثر بذلك وتستجيب إلى دعوة الحق ﴿إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد﴾ (١).
بصر الله ﷿ خليله إبراهيم ﵊ بالدلائل الكونية الدالة على وحدانيته سبحانه في ربوبيته وألوهيته، فأراه آياته في ملكوت السموات والأرض، ليعلم حقيقة التوحيد، أو ليزداد علما به ويقينا إلى يقينه، وأرشده إلى وجه الاستدلال بها، وكيف يسلك طريقها في البلاغ أو البيان ومناظرة الخصوم، ليفصل بذلك بين الحق والباطل ويلزمهم الحجة والبرهان، قال تعالى: ﴿وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض وليكون من الموقنين فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الآفلين فلما رأى القمر بازغا قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر فلما أفلت قال يا قوم إني بريء مما تشركون إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين﴾ (٢).
كان قوم إبراهيم الخليل صابئة يعبدون الكواكب السيارة، يقيمون لها الهياكل في الأرض من الأحجار ونحوها، وكانوا يعظمونها ويتقربون إليها بالذبائح وغيرها، وكانوا يستغيثون بها ويضرعون إليها، فناظرهم ﵇ في ذلك، ولم يشأ أن يسلك في هذه المناظرة طريق الاستدلال الإيجابي المباشر على أن الله لا رب غيره ولا إله سواه، بل جعل دعوى قومه وعقيدتهم الشركية موضوع بحثه ونقاشه معهم، وفرضها فرض المستدل لما لا يعتقده، ثم يكر عليه بالنقض والإبطال، ويكشف عن وجه الحق.
(١) سورة ق، الآية: ٣٧. (٢) سورة الأنعام، الآية: ٧٥ - ٧٩.