بل هذا الحوار وأمثاله مما دار بين الرسل وأممهم يدل على أنهم لم يكونوا ينكرون أصل الرسالة، ولم يكونوا يستبعدون أن يصطفي الله روحا طيبة لوحيه، أو يختار نفسا طاهرة لتبليغ رسالته وهداية خلقه، لكنهم استبعدوا أن يكون ذلك الرسول من البشر، وظنوا خطأ أنه إنما يكون من الملائكة، زعما منهم أن البشرية تنافي الرسالة، فمهما صفت روح الإنسان وسمت نفسه واتسعت مداركه فهو في نظرهم أقل من أن يكون أهلا؛ لأن يوحي الله إليه، وأحقر من أن يختاره -سبحانه- لتحمل أعباء رسالته.
وقد ذكر الله عنهم هذه الشبهة، وردها بما لا يسع العاقل إلا قبوله والإذعان له، ومن نظر في الكتب المنزلة وتصفح ما رواه علماء الأخبار مما دار بين الأنبياء وأممهم من الجدال والحجاج اتضح له ذلك، قال تعالى: ﴿ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه إني لكم نذير مبين أن لا تعبدوا إلا الله إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما نراك إلا بشرا مثلنا وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي وما نرى لكم علينا من فضل بل نظنكم كاذبين﴾ الآيات إلى قوله: ﴿قالوا يانوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين قال إنما يأتيكم به الله إن شاء وما أنتم بمعجزين﴾ فانظروا كيف فروا من ميدان المناظرة إلى استعجال الهلاك، وطلبوا ذلك من نوح، فبين لهم أن ذلك إلى الله لا إليه، إن عليه إلا النصح والبلاغ المبين وإقامة الحجة والبرهان، وقال تعالى: ﴿كذبت ثمود بالنذر فقالوا أبشرا منا واحدا نتبعه إنا إذا لفي ضلال وسعر أؤلقي الذكر عليه من بيننا بل هو كذاب أشر سيعلمون غدا من الكذاب الأشر﴾، فذكر