للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

هو إلا حصلت حتى جرى مجرى ما تقدم، فقلت: والله ما أظن أن أحدًا نال في هذه الدولة ما نلته، فَلِمَ تبخل على نفسك بشيء تمنيته دهرك، وقد ملكك الله أضعافه؟ ثم قال: اجلس فخذ هذا الصوت. فألقى علي صوتًا أنساني الأولين (١): [من الطويل]

أفي كُلِّ يومٍ أَنْتَ صبُّ وليلةٍ … إلى أُمِّ بكرٍ لا يُفيقُ فَيَقْصُرُ

أُحِبُّ على الهِجْرانِ أَكناف بيتها … فيا لَكَ مِنْ بيت يُحَبُّ ويُهْجَرُ

إلى جعفر سارت بنا كُلُّ جَسْرَةٍ … طواها سُرَاها نحوه والتَّهَجُرُ

إلى واسع للمحدثينَ فِناؤُهُ … تروح عطاياه عليهم وتُنكر

قال مخارق: فسمعت ما لم أسمع قط مثله حسنًا، فردده علي حتى أخذته، ففعلت مثل ذلك، وخبرته بما كان منهما، وعرضت عليه الصوت، فسره، وأمر خادمًا، فضرب الستارة، وأحضر الجارية، وقعد على كرسي، ثم قال: هات يا مخارق، فاندفعت، وألقيت عليها الصوت حتى أخذته الجارية فقال: أحسنت يا مخارق، وأحسن أستاذك، يا غلام تحمل معه ثلاثين ألف درهم، وإلى الموصلي ثلاثمائة ألف درهم، فصرت إلى منزلي بالمال، فأقمت ومن عندي مسرورين، نشرب بقية يومنا ونضرب، ثم بكرت إلى إبراهيم، فتلقاني قائمًا، وقال لي: أحسنت يا مخارق؛ فقلت: وما الخبر؟، قال: اجلس فجلست فقال لمن خلف الستارة خذوا فيما أنتم فيه، ثم رفع السجف، فإذا المال كاملًا. قلت: فما خبر الضيعة؟ فأدخل يده تحت مسورة، وهي متكاه، فقال: هذا صك الضيعة. سل عن صاحبها، فوجد ببغداد، فاشتراها منه يحيى بن خالد، وكتب إليّ: قد علمت أنه لا تسخو نفسك بشراء الضيعة بمال يحصل لك، ولو حيزت لك الدنيا كلها، وقد ابتعتها لك من مالي، ثم وجه إلي بصكها، وهذا المال كما ترى، ثم بكى. وقال مخارق: إذا عاشرت، فعاشر مثل هؤلاء: ستمائة ألف درهم، وضيعة بمائة ألف درهم، وستون ألف درهم لك، حصلنا ذلك أجمع وأنا جالس في منزلي لم أبرح منه، متى يوجد مثل هؤلاء.

قال إسحاق: حضر أبي يومًا عند موسى الهادي، فقال له: يا إبراهيم غنني جنسًا من الغناء الذه وأطيبه، وأطرب عليه، ولك حكمك، قال: وكنت أراه لا يصغي إلى شيء من الأغاني إصغاءه إلى النسيب والرقيق، فغنيته (٢): [من الطويل]

وإنِّي لَتَعْرُوني لذكراك نَفْضَةٌ … كما انتفض العُصْفُورُ بلَّلهُ القَطْرُ


(١) لمروان بن أبي حفصة في ديوانه ٦٠ - ٦١، الأغاني ٥/ ١٩٧.
(٢) لأبي الصخر الهذلي في الأغاني ٥/ ١٩٩.

<<  <  ج: ص:  >  >>