فلما رفع الطعام قال: جرُّوا بأرجلهم، فالقوهم في الطريق، ليلعنوهم أمواتًا كما لعنوهم أحياء.
قال: رأيتُ الكلاب تجرّ بأرجلهم، وعليهم سراويلات الوشي حتى أنتنوا، وحفرت لهم بئر، فألقوا فيها، وقال ابن هرمة في ذلك (١): [من البسيط]
فلا عَفَا اللهُ عَنْ مروانَ مَظْلَمةً … ولا َأميَّةَ بئس المجلس النادي
كانوا كعاد فأمسى اللهُ أَهْلِكَهُمْ … بمثل ما أهلك الماضينَ مِنْ عَادِ
[١٤] فليح بن العوراء (٢)
رجل طالما ندم نديمًا، وعادت صباه عقيمًا تمر به الراح مرورها بالخيف، ويقوم به السرور فيميل بالحنف، فكان يثقل على محاضره، وينغص على جليسه وناظره، لكنه كان من الجلة السوابق، وأهل التقدم المأخوذة عنهم الطريق. ما غنى إلا أطرب، ولا قال إلا أعرب.
قال أبو الفرج الأصفهاني: قال محبور بن لهذا دعاني محمد بن سليمان، فقال: قدم فليح بن العوراء من الحجاز، وقد نزل عند مسجد ابن عنان، فسر إليه، وأعلمه إن جاءني قبل أن يدخل إلى الرشيد، خلعت عليه خلعة من ثيابي، ووهبت له خمسة آلاف درهم فمضيت فأخبرته بذلك، فأجابني إليه إجابة سرور به، نشيط له، وخرج معي، فعدل إلى حمام كان بقربه، فدعا القيم، فأعطاه درهمين، وسأله أن يجبه بشيء يأكله، ونبيذ يشربه، فجاءه بشراب، ورأس عجل، وشابي غليظ مسحوري رديء. فقلت: لا تفعل، وجهدت به أن لا يأكل، ولا يشرب إلا عند محمد بن سليمان، فلم يلتفت إلي، وأكل من ذلك الرأس، وشرب من ذلك النبيذ حتى طابت نفسه، وغنى القيم معه مليًا، ثم خاطب القيم بما أغضبه، وتلاحيا، وتواثبا، فأخذ القيم شيئًا على
(١) ديوانه ١٠٢ - ١٠٣، الأغاني ٤/ ٣٤١ - ٣٤٢. (٢) وفي الأغاني: فليح بن أبي العوراء: وهو رجل من أهل مكة مولى لبني مخزوم، أحد مغني الدولة العباسية له محل كبير من صناعته، وموضع جليل. وكان إسحاق إذا عد من سمع من المحسنين ذكره فيهم، وبدأ به وهو أحد الثلاثة الذين اختاروا المائة صوت للرشيد في كتاب الأغاني. ترجمته في: الأغاني ٤/ ٣٥٣ - ٣٥٩.