فاختمي مجلسنا، وفرقي جمعنا بصوت واحد فغنت هذا البيت (١): [من الطويل]
أفي رَسْمِ دارٍ دَمْعُكَ المُتَرَقْرِقُ … سقاها وما استنطاقُ ما ليس يَنْطِقُ
فقال الشيخ: حسن والله. أمثل هذا يترك؟ فبم يشاهد الرجال، لا والله، ولا كرامة للشيطان، ثم قام الناس معه، وقال: الحمد لله الذي [لم] يفرق جماعتنا على إنكار حسن ولا جحود فضيلة، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته يا جميلة.
ومن مشهور غناء جميلة صنعتها في بيتين لامرئ القيس وهما (٢): [من الطويل]
ولما رأت أَنَّ الهَجِيرَ يَضُرُّها … وأَنَّ البَيَاضَ في فرائِصْها دامي
رأس الجماعة وأساس الطرب، الذي لا يمل أحد سماعه، وهو الذي ينشئ السامع، وينسى حديث سواه خروق المسامع، ويأتي بالبدائع التي يضرب دونها أعناق الرجال المطامع، ويتفرد بالصنائع التي لم يقع على مثلها عين، وما طهرتها بالمدامع. سمعت منه الأصوات، وقرعت به اللهوات، وجاء بكل المراد، فلم يدع عرضًا للعريض، ولا شهوة لشهوات أكرم به من معبد لم ير مثله من يمشي بنظره في الجامع كتاب أبي الفرج، وطلب الزيادة وصعد الدرج، بل ولو زاد في شدة الأسر، وحلق حتى حام على النسر.
وما قصبات السبق إلا لمعبد (٤)
(١) الشعر لعمر بن أبي ربيعة في ديوانه ٤٥٤. (٢) دوان امرئ القيس ٤٧٦. (٣) مَعْبَد المُغَنِّي، معبد بن وهب، أبو عباد المدني: نابغة الغناء العربي في العصر الأموي. كان مولى لبني مخزوم (أو لابن قطن، مولى معاوية) ونشأ في المدينة يرعى الغنم لمواليه، وربما اشتغل في التجارة. ولما ظهر نبوغه في الغناء أقبل عليه كبراء المدينة. ثم رحل إلى الشام فاتصل بأمرائها وارتفع شأنه. وكان أديبًا فصيحًا. وعاش طويلًا إلى أن انقطع صوته. ومات في عسكر الوليد بن يزيد. سنة ١٢٦ هـ/ ٧٤٣ م. أصواته وأخباره كثيرة. ترجمته في: الأغاني ١/ ٤٣ - ٦٩ وانظر فهرسته، وتاريخ الإسلام للذهبي (السنوات ١٢١ - ١٤٠ هـ) ص ٢٦٨، ورغبة الأمل ٤/ ٦، ١٧ - ٤٢، العقد الفريد ٤/ ٤٥٥، ٦/ ٢٥، ٣٠، ٣٩٠، عيون الأخبار/ ٤/ ٩٠، الأعلام ٧/ ٢٦٤. (٤) عجز بيت في الأغاني ١/ ٤٦ وصدره: أجاد طويس والسريجي بعده