يبعث ابنه إسحاق يأخذ عنه، وكان يزيد صديقًا لأبي مالك التميمي الأعرج ولا يكاد يفارقه، فمرض يزيد مرضًا شديدًا فاغتم عليه الرشيد، وبعث مسرورًا مرات يسأل عنه ثم مات، فقال أبو مالك (١): [من الخفيف]
لمْ يُمَتَّعْ مِنَ الشَّباب يزيد … صار في التّرب وهو غَضٌ جديد
فَكَأَنْ لم يكن يزيد ولمْ يَسْـ … ـخُ نديمًا يهُزُّهُ التَّعْرِيدُ
[٧] عبد الرحمن الدف (٢)
كان مغنيًا مُغنيًا، ومقرَّبًا للسرور مدنيًا، كان يُحيي أطايب الطرب، ويدني غرائب الرغب، لطرفه إلى القلوب خلوص، وبطربه مثل رقص القلوص، ما طرب وأبقى من إرب، إلا أن الجد لم يقل من عثاره، ولم يقد ظباء الحلميين لأخذ ثأره.
قال أبو الفرج: كان منقطعًا إلى علي بن المهدي المعروف بريطة.
قال عبد الصمد بن المعذل: غنّت جارية يومًا بحضرة الرشيد (٣): [من المنسرح]
قُلْ لعلي أيا فتى العرب … وخيرَ نام وخيرَ مُنْتَسِبِ
أعلاكَ جداك يا علي إذا … أقْصَر جَدٌ عن ذروة النَّسَبِ
فأمر بضرب عنقها، فقالت: يا سيدي وما ذنبي، هذا الصوت عُلمتُه والله، وما أدري من قاله، ولا فيمن قيل؛ فعلم صدقها، فقال لها: عمن أخذتيه، قالت: عن عبد الرحمن الدفاف فأمر بإحضاره، وقال: يا ماص بظر أمه، أتغني في شعر تفاخر بيني وبين أخي؟ جردوه، فجردوه عن ثيابه، ودعا له بالسياط، فضرب بين يديه مائة سوط.
قال عبد الرحيم: دخلت يومًا على ريطة وستارته منصوبة، فغنت جاريته (٤): [من الطويل]
أناسٌ أَمِنَاهُمْ فَنَمُوا حديثنا … فلمَّا كَتَمْنَا السِّرَّ عنهم، تقوَّلُوا
فقلت له: أرأيت ان أغنيك هذا الصوت، وفيه تمامه زيادة ببيت آخر، أي شيء
(١) الأغاني ٣/ ٢٥٠.
(٢) عبد الرحمن بن الفضل الكوفي، أبا القاسم، مولى الأشعث بن قيس، وقيل مولى خزاعة، كان أيام هارون الرشيد، وكان منقطعًا إلى علي بن المهدي المعروف بابن ريطة بنت أبي العباس. ترجمته في: الأغاني ٣/ ٢٦٤ - ٢٦٧ وفيه اسمه «عبد الرحيم الدفاف».
(٣) الأغاني ٣/ ٢٦٥.
(٤) ديوان العباس بن الأحنف ص ٢٣٠.