درهم، وشرب حتى سكر، ولم يحظ أحد بشيء سوى الأبجر، فلما أيقنت بانقضاء المجلس، وثبت وقلت: يا أمير المؤمنين إن أردت أن تأمر من يضربني مائة الساعة، فضحك ثم قال: قبحك الله، وما السبب في ذلك؟ أخبرته بقصتي مع الرسول، فأريد أن أضرب مائة، ويضرب بعدي مائة، فقال: لقد ألطفت، بل أعطوه مائة دينار، وأعطوا الرسول: خمسين دينارًا من مالنا عوض الخمسين التي أراد أن يأخذها من أشعب، فقبضتها وقمنا، فما حظي أحد بشيء غيري، وغير الأبجر.
قال إسحاق: حدثت أن الأبجر أخذ صوتًا من الغريض ليلًا، ثم دخل الطواف، فلقي عطاء بن أبي رباح يطوف، فقال له: يا محمد اسمع صوتًا أخذته في هذه الليلة من الغريض، فقال له: ويحك في هذا الموضع؟، فقال: كفرت برب هذه البنية لئن لم تسمعه مني سرًا إن لم أجهر به، فقال: هاته فغناه (١): [من الزجر]
عُوجي علينا رِبَّةَ الهودج … إِنَّكِ إِنْ لم تفعلي تخرجي
فقال له عطاء: الخير كله في منى وأهله، حجت أو لم تحج، فاذهب الآن.
قال: وختن عطاء بنيه، أو بني أخيه، فكان الأبجر يختلف إليهم ثلاثة أيام يُغنّي.
[١١] فريدة (٢)
وكانت فريدة جمال، ووحيدة كمال، وبديعة حسن وإحسان، وفصيحة عود ولسان، ربيبة خدر، وشبيهة بدر، ومتقنة لضرب، ومحسنة لا يقاس بها من إذا أحسن، كان قد ضرب توقع الضرب فلا تبين أناملها اللمس، ويضرب بالدف فلا يُطن إلا أن البدر في يد الشمس، ولع بها الواثق أشد الولوع، وكان يضنّ بها على من بعده،
(١) ديوان العرجي ١٨٩. (٢) فريدة: هما اثنتان محسنتان لهما صنعة تسميان بفريدة فأما إحداهما وهي الكبرى، فكانت مولدة نشأت بالحجاز، ثم وقعت إلى آل الربيع فعلمت الغناء في دورهم، ثم صارت إلى البرامكة، فلما قتل جعفر بن يحيى ونكبوا هربت وطلبها الرشيد فلم يجدها، ثم صارت إلى الأمين، فلما قتل خرجت فتزوجها الهيثم بن مسلم فولدت له ابنه عبد الله، ثم مات عنها فتزوجها السندري بن الحريش فماتت عنده، وأما فريدة الأخرى فكانت حظية عند الواثق وأثيرة عنده، وكان عمرو بن بانة هو الذي أهداها إلى الواثق، وكانت من الموصوفات المحسنات كانت حسنة الوجه حسنة الغناء حادة الفطنة والفهم، ولما مات الواثق تزوجها المتوكل. ترجمتها في: الأغاني ٤/ ١١٩ - ١٢٦.