للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[٤] الغريض (١)

لا يناضل على غرض، ولا يفاضل في عرض، كان أشجى من النوائح، وأهز لكريم من المدائح، لو أصغت إليه الحمائم، لخلعت عليه أطواقها، أو الحوائم لما بلت بغيره أشواقها، لا يدع عبرة لم تسكب، ولا حشاشة لم تسلب، ولا زمان صبا لم يذكر، ولا ذيول صبابة لم تسحب.

أخذ الغناء في أول أمره عن ابن سريج؛ لأنه كان يخدمه؛ فلما رأى ابن سريج طبعه وظرفه وحلاوة منطقه، خشي أن يأخذ غناءه، فيغلبه بصوته، وحسن وجهه،


= وقد عرفت فيما تقدم أن سكينة التي تجتمع مع عمر بن أبي ربيعة في محفل الغناء هي ابنة خالد بن مصعب بن الزبير ومنه تعرف كيف زحزح آل الزبير هذه الشناعة عن ابنتهم وألصقوها بمن شابهتها في الاسم فراجت هذه الأكذوبة حتى على من زعم أنه محص الحقائق وأخذت به الثقافة إلى حد بعيد وفي الحقيقة لا يعرف من أين تؤكل الكتف.
ولعل هذا البيان الضافي لم يدع للقارئ ملتحدا عن الإخبات بأن المصونة الطاهرة هي تلك البريئة من كل شين وعار والرضية المخفورة تحت خباء النبوة وبين سرادق الإمامة يكتنفها الشرف ويحف بها الصون من جميع نواحيها ولم تبرح ترفل في مطارف من الحصافة قشيبة، ولها أشواطها البعيدة في مستوى الآداب الأحمدية تزينها العفة والحياء، وتجللها الرزانة والوقار، ويزدان بذكرها المدح والثناء، وإن كان لأرباب الأهواء والمطامع حول حياتها جلبة وتركاض، فدعهم يخوضوا ويلعبوا ويلهمهم الأمل الخائب والأمنية المخفقة والظن المكدي. وإن كلمة الحسين في حقها: «أما سكينة فغالب عليها الاستغراق مع الله تعالى».
نتشوف منها منزلة كبرى في اليقين والتجرد عن هذه العوارض الدنيوية الفانية. وأن هذه الجلبة بسرد هاتيك القصص الخرافية كما غرت أبا الفرج اغتر بها من جاء بعده من المؤرخين فنشروا فضائح في حق السيدة البريئة سودوا بها صفحة التاريخ حسبانا منهم أن صاحب الأغاني ومن تقدمه لا يرسل ما لا تعويل عليه، وقد عرفت بما أوضحناه أن هؤلاء كحاطب ليل لم يريدوا إلا جمع أضغاث من هنا وهنا فألبسوها أطمارا من الظنون والأوهام».
(١) الغريض، عبد الملك، مولى العبلات، من مولدي البربر: من أشهر المغنين في صدر الإسلام، ومن أحذقهم في صناعة الغناء، سكن مكة، وكان يضرب بالعود، وينقر بالدف، ويوقع بالقضيب. كنيته أبو يزيد أو أبو مروان. ولقب «الغريض» لجماله ونضارة وجهه. توفي نحو سنة ٩٥ هـ/ نحو ٧١٤ م.
ترجمته في: الأغاني ٢/ ٣٥٣ - ٣٩٥ وفي الكامل للمبرد أنه كان مملوكا للثريا وأختها عائشة بنت علي بن عبد الله بن الحارث بن أمية الأصغر، وأعتقتاه؛ انظر رغبة الأمل ٥/ ٢٣٣ وفيه تعليق المرصفي على الكامل، برواية ابن جامع أنه كان مملوكا لسكينة. الأعلام ٤/ ١٥٦.

<<  <  ج: ص:  >  >>