للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ما خرق مسامعي قطّ مثله، فرفع الرشيد رأسه إلى خادم له بالقرب منه فدعا بكيس فيه ألف دينار، فرمى به إليّ، فصيّرته تحت فخذي، ودعوت لأمير المؤمنين، فقال جعفر: يا ابن جامع ردّ على أمير المؤمنين الصوت، فرددته، وتزيدت في غنائي، فقال له جعفر: يا سيدي ما تراه كيف يتزيد في الغناء؟ هذا خلاف ما سمعناه أولًا، وإن كان الأمر في اللحن واحدًا، ثم دعا بكيس آخر فيه ألف دينار، فجاءني به، فصيّرته تحت فخذي، وقال: تغنَّ يا إسماعيل ما حضرك، فجعلت: أقصد الصوت بعد الصوت مما كان يبلغني أنه يشتري عليه الجواري، فأغنيه، فلم أزل أفعل ذلك إلى أن عسعس الليل فقال: أتعبناك يا إسماعيل هذه الليلة بغنائك، فأعد على أمير المؤمنين الصوت - يعني صوت الجارية - فغنيت به، فدعا بكيس ثالث فيه ألف دينار، قال: فذكرت ما كان من قول الجارية، فتبسمت فقال: يا ابن الفاعلة مم تتبسم؟ فجثوت على ركبتي، وقلت: يا أمير المؤمنين: الصدق منجاة، فقال بانتهار قل؛ فأقصصت عليه خبر الجارية، فقال: صدقت قد يكون هذا. وقام فنزل عن السرير، وبقيت لا أدري أين أقصد، فابتدرني فراشان، فصارا بي إلى دار قد أمر لي بها أمير المؤمنين، ففرشت، وجعل فيها جميع ما يكون في مثلها من آلة جلساء الملوك وندمائهم، فدخلت بغداد فقيرًا، وأصبحت من جلة أهلها ومياسيرهم.

قال: كان ابن جامع يُعِد [صيحة الصوت] (١) قبل أن يصنع عمود اللحن.

قال ابن جامع: لولا أن القمار، وحبّ الكلاب قد شغلاني، ما تركت أحدًا من المغنين يأكل خبزًا.

قال: أهدى رجل إلى ابن جامع كلبًا، فقال: ما اسمه؟، قال: لا أدري، فأخرج دفترًا فيه أسماء الكلاب، فجعل يدعوه باسم اسم حتى أجابه. [٢٠]

[٢٠] جميلة (٢)

مغنية المدينة ومُغْنِيَة أهلها عن كل زينة، وكان بيتها منتدى الظرفاء، ومنتأى


(١) ما بين المعقوفتين من الأغاني ٨/ ١٩٧.
(٢) جميلة السلمية: موسيقية ملحنة كانت أعلم المغنين والمغنيات في العرب بصناعة الغناء. وكان معبد (أستاذ المغنين في أواسط المئة الثانية للهجرة) يقول: أصل الغناء جميلة، ونحن فروعه، ولولا جميلة لم نكن نحن مغنين. وهي مولاة لبني سليم، تزوجت بمولى لبني الحارث بن الخزرج (من الأنصار) وكانت تنزل بالسنح (في عوالي المدينة) ووضعت ألحانا تهافت الناس على =

<<  <  ج: ص:  >  >>