فوضع المأمون القدح من يده، والتفت إليها، فقال: بلى النيك الذ من السحق، فتسورت، وخافت غضبه، فأخذ قدحه، وقال: أتمي صوتك وزيدي فيه (١):
ومِنْ غَفْلَةِ الوَاشي إذا ما أتيتُها … ومِنْ زَوْرَتي أبياتها خاليًا وَحْدِي
ومن ضحكة في الملتقى، ثم سَكْتَةٍ … وكلتاهما عندي ألذ مِنَ الخُلْدِ
[٥٧] عزة الميلاء (٢)
وضرة الظبية الكحلاء، كان بيتها مأوى كل شريف، ومثوى كل ظريف، وندي كل ذي كلف نزح به الغرام، وقرّح جفنه وأدماه حبّ الآرام. أقامت بالمدينة وفتية قريش تغشى معهدها المعمور، وترى مشهدها من مهمات الأمور، وأدركت من الأول السلف قوم شرفت برؤياهم، ولزمت بهم، ومن لطوالع الشموس بان تلحق بأخراهم.
قال أبو الفرج؛ قال يونس: كان ابن سريج في حداثته يأتي المدينة، فيسمع من عزّة، ويتعلم غناءها، وكان إذا سُئل من أحسن الناس غناء، قال: مولاة الأنصار المفضلة على كل من غنّى وضرب بالمعازف والعيدان من الرجال والنساء.
وكان عبد الله بن جعفر، وابن أبي عتيق، وعمر بن أبي ربيعة يغشونها في منزلها
(١) الأغاني ١٧/ ٨٥. (٢) عَزَّة الميلاء: أقدم من غنى غناءًا موقعًا في الحجاز. كانت تضرب بالعيدان والمعارف. إقامتها بالمدينة، وهي مولاة للأنصار. وكانت وافرة السمن جميلة الوجه، لقبت بالميلاء لتمايلها في مشيتها. سمعها معبد المغني وحسان بن ثابت الشاعر. وزارها النعمان بن بشير الأنصاري في بيتها، وسمع غناءها في أيام يزيد بن معاوية وابن الزبير، وقال فيها: «إنها لمن يزيد النفس طيبًا والعقل شحذًا» وكان عبد الله بن جعفر وابن أبي عتيق وعمر بن ابي ربيعة يزورونها في منزلها فتغنيهم. ويقال إن ابن سريج كان في حداثة سنه يأتي المدينة ليسمعها ويتعلم غناءها. وسئل: من أحسن الناس غناءًا؟ فقال: مولاة الأنصار. قال طويس: هي سيدة من غنى من النساء مع جمال بارع وخلق كريم وإسلام لا يشوبه دنس، تأمر بالخير وهي من أهله، وتنهى عن السوء وهي مجانبة له وكانت من أظرف الناس ومن أعلمهم بأمور النساء، ولها في ذلك أخبار. توفيت نحو سنة ١١٥ هـ/ نحو ٧٣٣ م. ترجمتها في: الأغاني ١٧/ ١٦٤ - ١٨٢، وأعلام النساء ٢/ ١٠١٣ والطرب عند العرب لعبد الكريم العلاف ١٩ والدر المنثور ٣٤١ ولم أجد من ذكر تاريخ وفاتها، غير أن القول بزيارة «معبد لها وقد أسنت، وهو المتوفى سنة ١٢٦ هـ، والقول بأن ابن محرز» تعلم الضرب منها، وهو المتوفى سنة ١٤٠ يرجح أنها ماتت في العشر الثاني من المئة الثانية، الأعلام ٤/ ٢٣٠.