للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

كأنَّ مُزاحفَ الحَيَّاتِ فيها … قُبَيْلَ الصُّبْحِ آثارَ السِّياطِ

قال المهدي يومًا وهو يشرب لسلامة الأبرش: جئني بسياط، وعِقال، وحِبال. فارتاع كل من حضر، وظنَّ جمعيهم أنه يريد الإيقاع بهم، فجاءه بسياط المغني، وعِقال المدائني - الذي كان يوقع عليه - وحبال الزامر، فجعل الندماء يشتمونهم، والمهدي يضحك.

قال: دخل ابن جامع على سياط، وقد نزل به الموت فقال له: ألك حاجة؟ قال: نعم. قال: أن لا تزد في غنائي شيئًا ليس منه. دعه رأسًا برأس، فإنما هو ثمانية عشر صوتًا.

[١٩] ابن جامع (١)

مُطرب جليل، ومُطِر ما عنده قليل، لم يقصر عن إسحاق، فما جَمَع، ولا تأخر فيما لم يعلق به طمع، وكان لا يرى إلا أن يكون طيره، وأن يعد نظيره، وله في كل حديث إذا شاء نصيب، وكلام مُصيب، إلا أن الغناء كان عليه العِلْم الذي به عُرف والسبب الذي لولاه لما كان عليه عكف.

قال أبو الفرج: كان حسن السَّمت، كثير الصلاة، قد أخذ السجود في جبهته، وكان يعتم بعمامة سوداء على قُلنسوة، ويلبس لباس الفقهاء، ويركب حمارًا مريسيًا في زي أهل الحجاز، فبينما هو واقف على باب يحيى بن خالد يلتمس الإذن عليه، إذ أقبل أبو يوسف القاضي بأصحابه أهل القلانس، فوقف ابن جامع إلى جانبه، فالتفت إليه أبو يوسف فرأى سمته وحلاوة هيأته، فقال له: أمتع الله بك، توسمت فيك الحجازية؟ قال: أصبت قال: فمن أي قريش؟، قال: من بني سهم، قال: فأي الحرمين منزلك؟، قال: مكة، قال: فمن لقيت من فقهائهم؟، قال: عمن شئت. ففاتحه


(١) اسماعيل بن جامع السهمي القرشي، أبو القاسم، ويعرف أيضًا بابن أبي وداعة: من أكابر المغنين الملحنين. كان من أحفظ الناس للقرآن، متعبدًا، كثير الصلاة، يعتم بعمامة سوداء على قلنسوة طويلة، ويلبس لباس الفقهاء، في زي أهل الحجاز ولد بمكة وضاق به العيش، فانتقل بعياله إلى المدينة واحترف الغناء فذاعت شهرته، فرحل إلى بغداد، فاتصل بالخليفة هارون الرشيد، فحظي عنده. وكان من أقران إبراهيم الموصلي إلا أن هذا يزيد عليه الضرب بالعود، توفي سنة ١٩٢ هـ/ ٨٠٨ م.
ترجمته في: الأغاني ٦/ ٣٠٤ - ٣٥٦، والبداية والنهاية ١٠/ ٢٠٧، الأعلام ١/ ٣١١.

<<  <  ج: ص:  >  >>