لما كانت لها عينان تجري على صخر، طالما تمناها متيم لو أن الأيام ساعدت، وظل لا يزيد على أن يقول (١): [من الطويل]
حَنَنْتَ إلى رَيَّا ونفسكَ باعَدَتْ
حكى حماد بن إسحاق الموصلي قال: اشتراها أبي لما حج، وكان يحبّها، ويستحليها، وهي التي تقول فيه (٢): [من مجزوء الخفيف]
يا لذيذ المُعانَقَهْ … يا كثير المُفارَقَة
جُزْتَ يا مُنتهى المُنى … فِيَّ حَدَّ المُوافَقَة
وأنا دُونَ مَنْ تَرَى … لكَ والله عاشِقَه
قال حماد وفيه لحن من الرمل لبعض جوارينا إما صيد، وإما دمن، وكانت قد أخذت عنها الغناء، وسرقته من إسحاق.
[١٢٣][محبوبة جارية المتوكل](٣)
كانت ضرّة الشمس ومسرّة النفس، قيد كل ناظر، وأمنية كل خاطر، لو حدرت في الليل قناعها، لابيضت غرابيبه، وانقدت بطلائع الصباح جلابيبه. أحسن من الريم سالفة وحذقًا، وأكثر من الأغصان أعطافًا ومعتنقًا. هذا إلى صفاء فيه لا تناول، وصفاء لا يقاس به السموءل، وإجادة في الشعر لا تعرف لذات خمار، ولا يعد للأخيلية معها إلا ما يحكى في أكاذيب الأسمار، تنحط عنها رتبة علية أخت إبراهيم، وترد عنان وقد أصبحت حدائقها كالصريم.
(١) صدر بيت للصمة بن عبد الله القشيري في ديوانه ٩٣، وعجزه: «مزارك من ريا وشعبا كما معا». (٢) لريا في الإماء الشواعر ١٧١. (٣) ما بين المعقوفتين بياض في الأصل. محبوبة: شاعرة ملحنة موسيقية، من مولدات البصرة. كانت لرجل من أهل الطائف أدبها وعلمها، وأهديت للمتوكل العباسي لما ولي الخلافة (سنة ٢٣٢) فحلّت من قلبه محلًا جليلًا. واشتهرت بأخبارها في مجالسه. ولما قتل (سنة ٢٤٧) صار كثير من جواريه إلى وصيف وبينهن محبوبة، فأمرها يومًا أن تغني، فأنشدت أبياتًا في رثاء المتوكل، فغضب وصيف وأمر بسجنها، فسجنت، وكان آخر العهد بها. وقيل: استوهبها منه بغا فوهبها له فأعتقها وأمر بإخراجها من سامراء، فخرجت إلى بغداد، فأخملت ذكرها وانزوت إلى أن توفيت بعد سنة ٢٤٧ هـ/ بعد ٨٦١ م. ترجمتها في: المسعودي، طبعة باريس/ ٧/ ٢٨١ و ٢٨٧، وأعلام النساء ١٤٢٠، الأعلام ٥/ ٢٨٣