قَدْ عَلِمَ الحَيُّ إِذَا أَمْحَلُوا … أَنَّكَ رَفَّادٌ لهم مانح
في الليلة الغالي قراها التي … لا غائقٌ فيها ولا صالح
فالضيف معروف لهُ حَقُهُ … لكم على أبوابِكُمْ فاتح
والخيل قد تعلم يومَ الوَغَى … أَنَّكَ عَنْ جمرتها ناصح
قال: فغنى أحمد النصبي في هذه الأبيات وجارية لسلم في السطح جالسة، فسمعت الغناء، فنزلت إلى مولاها، فقالت: إني سمعتُ من أضيافك شعرًا ما سمعت أحسن منه، وغنّى في غنوة فيه أحسن غناء سمعته، فخرج مولاها، فاستمع حتى فهم، ثم لم يزل، فدخل عليهما، فقال: لمن هذا الشعر والغناء، ومن أنتما؟، فقال: الشعر لهذا وهو أبو الصبح أعشى همدان، والغناء لي وأنا همدان النصيبي، فانكب على رأس أعشى همدان فقبلهما، وقال: كتمتماني أنفسكما، وكدتما تفارقاني، ولم أعرف خبركما. قال: فاحتبسهما عنده شهرًا، ثم حملهما على فرسين، وقال: خلفا عندي ما كَلَّ من دوابكما، ثم ارجعا من مغزاكما إلي، فمضينا إلى مغزاهما، فأقاما حينًا، ثم انصرفا؛ فلما تشاوفا منزله، قال أحمد للأعشى: إني أرى عجبًا، قال: وما هو؟ قال: أرى فوق سطح سليم ثعلبًا، قال: لئن كنت صادقًا، فما بقي في القرية أحد. قال: فدخلنا القرية فوجدنا سليمًا، وجميع أهل القرية قد أصابهم الطاعون، فمات أكثرهم، وانتقل باقيهم.
[٥٠] سُلَيم (١)
مطرب قد هزج، ومدير سُلاف لو مزج بالروح لامتزج، وكان في أمره عجبًا، وبطربه لا يدع محتجبًا، وفتى القيان، وأتى بما يملأ العيان، وكان هذا شحيحًا لحزًا، لا تجري دفقًا ولا نزرًا على ما كان له من وفور إدرار وسنى الجوائز التي يقر لها كل قرار.
قال أبو الفرج: قال أبو الحاجب الأنصاري: قال لي سليم يومًا: امض إلى موسى بن إسحاق الأزرق فادعه، ووافياني مع الظهر، فجئناه الظهر فأخرج إلينا ثلاثين
(١) سليم بن سلام الكوفي، ويكنى أبا عبد الله، وكان حسن الوجه، حسن الصوت، انقطع وهو أمرد إلى ابراهيم الموصلي فمال إليه، وتعشقه، فعلمه، وناصحه، فبرع، وكثرت روايته، وصنع فأجاد. ترجمته في: الأغاني ٦/ ١٧٣ - ١٨٠.