الحسن حبوت جارك بواحدة؟ فخجل علوية، وما نطق بحرف بقية يومه.
ومنهم:
[٧٢] مخارق (١)
نبعة لا يقاتل بغرب، ولا يقابل في طرب أتى في الغناء بكل خارق، وواتي ضربه ايماض كل شارق، وزاحم في مجالس الخلفاء، ووقف والقوم جُثي على الركب، وقام بحصائد لسانه، وكل واحد به نكب، وكان زبدة تلك الحلبة، وذرة تلك الجلبة، وأسرع الكل اقتباسًا وأبرع نطقًا لا يعرف احتباسًا، ولهذا كان لا يعدل بأحد، ولا يعد معه من إذا خوّل النعمة جحد.
قال أبو الفرج: لما صار مخارق للرشيد، كان يقف بين يديه ويغني وهو واقف؛ فغنى ذات يوم ابن جامع (٢): [من البسيط]
كأنَّ نيرانَنا في جنبِ قلعتِهِمْ … مُصَبَّغَاتُ على أَرْسَانِ قَصَّارِ
هَوَتْ هِرَقْلَةٌ لما أن رَأَتْ عَجَبًا … حَمائمًا تَرْتَمِي بالنِّفْطِ والنَّارِ
فطرب الرشيد، واستعاده عدة مرات. وهو شعر مدح به الرشيد في فتح هرقلة، فأقبل الرشيد على ابن جامع، وقال له: أحسنت!، أحسنت! فغمز مخارق إبراهيم الموصلي بعينيه، وتقدمه إلى الخلافة؛ فلما جاء قال له: ما لي أراك منكسرًا؟ قال: أما ترى إقبال أمير المؤمنين على ابن جامع بسبب هذا الصوت، فقال له مخارق: قد والله أخذته، فقال: ويحك إنه الرشيد، وابن جامع من تعلم، ولا يمكن معارضته إلا بما يزيد على غنائه، وإلا فهو الموت. فقال: دعني وخلاك ذم، وعرفه أني أغني به، فإن أحسنت، فإليك ينسب إحساني، وإن أسأت، فعليّ يعود اللوم. قال: صدقت وعاد إلى موضعه، ثم قال: يا أمير المؤمنين أراك معجبًا بهذا الصوت؟ فوق ما يستحقه ويستوجبه. قال: فلقد أحسن فيه ابن جامع ما شاء. قال: أولا بن جامع هو؟ قال: نعم
(١) مخارق بن يحيى بن ناووس الجزار، أبو المهنا نشأ بالمدينة وقيل بالكوفة، وكان أبوه جزارًا مملوكًا، وكان في صباه ينادي على ما يبيعه أبوه من اللحم، فلما بان طيب صوته، علمته مولاته عاتكة بنت شهده وهي من المغنيات المحسنات المتقدمات في الضرب، ثم أرادت بيعه فاشتراه ثم أعتق، توفي بسامراء سنة ٢٣١ هـ. ترجمته في: الأغاني ١٨/ ٣٤٧ ٣٨٥، النجوم الزاهرة ٢/ ٢٣٠. (٢) الأغاني ١٨/ ٣٤٩.