للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وهو سوار الأصغر، فأصغى إلي، وقال: إنَّ لي إليك حاجة، فأتني في خفي، فأتيته، فقال لي: قد أنست إليك؛ لأنك لي كالولد، ولي إليك حاجة، فإن ضمنت لي كتمانها، أفضيت بها إليك، فقلت: ذاك للقاضي علي فرض واجب. فقال لي: إني قلت أبياتًا في جارية لي أميل إليها، وقد هجرتني، وأنا أحبُّ أن تصنع فيها لحنًا، وتسمعنيه، فإن غنيته وأظهرته بعد أن لا يعلم أحد أنه شعري، فلست أبالي. أفتفعل ذلك؟ قلت: حبًا وكرامة للقاضي، فأنشدني في سوار لنفسه (١): [من الطويل]

سَلَبْتِ عِظامي لحمها فتَرَكْتِها … عَوارِيَ في أَجلادها تتَكَسَّرُ

وأخليت منها مخها فتَرَكْتِها … أَنابيب في أَجْوَابها الرِّيحُ تصفر

إذا سمعت ذِكرَ الفِراقِ تَرَعَّدَتْ … مفاصِلُها من هول ما تتحدَّرُ

خُذي بيدي ثم ارفعي الثوبَ … فانظري بِلَى جسدي لكنني أتستر

وليس الذي يجري مِنَ العَيْنِ ماؤُها … ولكنها روح تذوب فتقطر

قال عبد الله: فصنعت لحنًا، ثم عرفت خبره في رقعة، وسألته أن يعدني المصير إليه، فكتب إلي: نظرت في القصة، فوجدت هذا لا يصلح، ولا ينكتم حضورك، ولا سماعي إياك. وأسأل الله أن يسرك ويقيك. فغنيت بالصوت حتى ظهر وتغنّى به الناس فلقيني سوار يومًا، فقال لي: يا ابن أخي قد شاع أمرك في ذلك الباب حتى سمعناه من بعيد كأننا لم نعرف القصة.

[٦٢] أبو صدقة (٢)

من المشهورين في أهل الموسيقى، والمشكورين تحقيقًا، أطرب أصواتًا وأحيا


(١) الأغاني ١٩/ ٢٦٩.
(٢) أبو صدقة: اسمه مسكين بن صدقة من أهل المدينة، مولى لقريش، وكان مليح الغناء، طيب الصوت، كثير الرواية، صالح الصنعة، من أكثر الناس نادرة، وأخفهم روحًا، وأشدهم طمعًا، وألحهم في مسألة.
وكان له ابن يقال له صدقة، يغني، وليس من المعدودين، وابن ابنه أحمد بن صدقة الطنبوري أحد المحسنين من الطنبوريين وله صنعة جيدة. وكان أشبه الناس بجده في المزح والنوادر … وأبو صدقة من المغنين الذين أقدمهم هارون الرشيد من الحجاز في أيامه.
قيل لأبي صدقة: ما أكثر سؤالك، وأشد الحاحك. فقال: ما يمنعني من ذلك، واسمي مسكين وكنيتي أبو صدقة، وامرأتي فاقة، وابني صدقة؟!
ترجمته في: الأغاني ١٨/ ٣٠٣ - ٣١٣.

<<  <  ج: ص:  >  >>