قال بعضهم: كنت عند عبيد الله بن عبد الله بن طاهر وعنده أخوه محمد يأمره بإحضاري، وتقليدي القضاء، وقد بلغتُ هذا السن وأتولى القضاء بعدها، وبعدما قد رويت: مَنْ ولي القضاء، فقد ذبح بغير سكين؟ فقال محمد: فتلحق أمير المؤمنين بسر من رأى، وتسأله: إعفاءك، قال: افعل، فأمر له بمال ينفقه، وبظهر يحمله، ويحمل ثقله.
ثم قال: إن رأيت يا أبا عبد الله أن تفيدنا منك شيئًا قبل أن نفترق. قال: انصرفت من عمرة المحرم، فبينما أنا بالعرج، إذ أنا بجماعة مجتمعة فأقبلت إليهم فإذا أنا برجل كان يتقبض الظباء، وقد وقع ظبي في حبائله، فذبحه، فانتفض في يده، فضرب بقرنه صدره، فمات.
وأقبلت فتاة كأنها المهاة؛ فلما رأت زوجها ميتًا، شهقت، وقالت (١): [من البسيط]
يا حِصنُ جَمَّعَ أحشائي وقَلْقَلَها … رَدَاكَ يا حصن لولا غُرَّةٌ جَلَلُ
أضحت فتاة بني نهدٍ عَلانية … وبعلُها فوق أيدي القومِ مُحْتَمَلُ
قال: ثم شهقت فماتت؛ فما رأيت أعجب من الثلاثة: الظبي مذبوح، والرجل ميت جريح، والفتاة ميتة حرّى. قال: فأمر له عبيد الله بمال أجزاه، ثم أقبل على أخيه محمد فقال له: أما إنّ الذي أخذنا من الفائدة من خبر حَسَن، وفي قولها:
أضحت فتاة بني نهد علانيةً
تريد ظاهره أكثر مما أعطيناه من الصلة.
ومن شعر عبيد الله بن طاهر (٢): [من الطويل]
فانفق إذا أيسرتَ غير مُقَصِّر … وانفق إذا خيلتَ أَنَّكَ مُعْسِرُ
فلا الجود يُفني المال والجَدُّ مُقْبِلُ … ولا البُخْلُ يبقي المال والجَدّ مُدْبِرُ
[٣٢] محمد بن الحارث بن بُسْخُنَّر (٣)
رئيس طرب يستحيي صوته الورقاء إذا ناحت وذات اللقاء إذا باحت، طالما
(١) الاغاني ٩/ ٥٤.
(٢) الاغاني ٩/ ٥٣.
(٣) محمد بن الحارث بن بُسْخُنَّر، ويكنى أبا جعفر وهم فيما يزعمون موالي المنصور. واحسبه ولاء خدمة لا ولاء عتق، وأصلهم من الري. وكان محمد يزعم انه من ولد بهرام جوبين. وولد محمد =