فأما مصر فإنها وإن حوت الجماهير، وجمعت المشاهير، فإن أفراد أهل الغناء أقل من وجود الصديق، وجود الزمان بالعيش الخالي من الترنيق، ومنهم أناس سنذكرهم، ونعرفهم ولا ننكرهم.
ومنهم:
[[١٨٥] ناطقة جارية الزاغوني]
جارية تفتك بالمهج، وتقتل ولا إثم عليها ولا حرج، وهزت من قدها رمحا، وسلت من أجفانها سيفًا لا يعرف صفحا، فملكت القلوب عنوة، وكانت في أفق الدور الأموية شمس صباحها وبدر صباحها، وكأس شمولها، وقصارى مأمولها، إلى أن غلبت الأهواء، وأعلت وأغلت الدواء، وأضحت تجاوب في قتل أهل الغرام بها عودًا إلى أن ينطلق له لسان، ولا يسفك بمثل إشارته دم إنسان، وكانت أيام الأخشيد تغشى مجلس ابن الفرات، وتجاور منه في جانب النيل الفرات، وكان يصلها بالمواهب، ويقدمها على كل مواظب، ثم قطعها أيام المعز، وكان لها لا يبز.
ومن أصواتها المشهورة:[من الطويل]
إذا كنت ذا نفس جواد ضميرها … فليس يضير الجُودَ أن كنتَ مُعدِما
رآني بعين الجود فانتهز الذي … أردتُ ولم أَفْعَرْ إليه بها فَمَا
ظلمتُكَ إنْ لَمْ أَجزِكَ الشكر بعد ما … جعلت إلى شكري نَوَالَكَ سُلَّما
وأنك لم تترك بذاك ذخِيرَةً … لغيركَ مِنْ شُكري ولا مُتَلَوِّما
والشعر لمسلم بن الوليد (١)، والغناء فيه في مزموم الرمل.