للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

تُرِيهِ وجُوهَ الغَيْبِ مِرآةٌ فِكْرِهِ … فَيُؤْمِنُهُ مِنْ كُلِّ ظَنِّ مُرَجَمِ

ويَغْشَى غمار الموت في كلِّ مَعْرَكٍ … يَرَاعٌ لَهُ قَلْبُ الخَمِيسِ العَرَمْرَمِ

ويُطْرِبُهُ خَلْعُ النُّفُوسِ على العَنَا … إِذا رَنَّحَتْ أَعْطافَها حُمْرَةُ الدَّمِ

لهُ نَشْوَةٌ في الجُودِ ليست لحاتِمٍ … وشِنْشِئَةٌ في المَجْدِ ليستْ لأَخْرَم

يقول منها في وصف القصيدة:

فَدُوْنَكَها أَحْلَى مِنَ الأَمْنِ مَوْقِعًا … وأَطْيَبَ مِنْ وَصْلِ إِلى قَلْبِ مُغْرَمِ

إذا حَدَّثَتْ أَبْياتُها عَنْ عُلاكُمُ … غدتْ أُمّ أَوْفَى دِمْنَة لَمْ تَكَلَّمَ

ومنهم:

[[١٩٤] الزركشي، أبو عبد الله، ناصر الدين الفقيه الحنفي]

فقيه بارع، ونبيه لكلِّ عُلا قارع، هذا على أنه أتقن علم الموسيقى وحققه، وأجال النظر في فنها ودققه، ووقف منها على طرق الأوائل التي عفا أثرها، وذهب أكثرها، وبقيت كمدارج النمل الخوافي، ومناهج الرمل تحت السوافي.

حدثني ابن كر عنه: أنه كان في صناعة الزركش بدمشق، ثم كان فقيهًا بالمدرسة الشبلية بسفح قاسيون بين ظهراني الفقهاء، ويجتمع إليه أهل الطرب والإلهاء، ودام على هذه المدة، ثم تخرصوا له المعايب وأرادوا ترديته بالمثالب، فأتى مصر واتخذها دارًا وقرارًا حتى مات.

قيل: وكان واحد زمانه لا يقصر عن الأوائل. قال: وهو ممن أخذت عنه، واستفدت منه، وكنا نجتمع ونتذاكر ونتغدى ونبكر صبيحة كل يوم، يسمع كل واحد منا صاحبه، ولم أر مثله، وحدثني عنه غيره.

وله أصوات منها (١): [من الخفيف]

خَبَّرُوها أَنِّي مَرِضْتُ فقالت: … أضنى طارفا شكا أَمْ تَلِيدا

وأشاروا بأَنْ يَعُودَ وِسَادِي … فَأَبَتْ وهي تشتهي أَنْ تَعُودًا

وأَتَتْني في خِفَّةٍ وهي تَشْكُو … أَلَمَ الوَجْدِ والمَزارَ البَعِيدًا


(١) الشعر للطغرائي في ديوانه ١٤١ - ١٤٢.

<<  <  ج: ص:  >  >>